تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 344

مساهمون:

ص٣٤٤
هذه القصة سببا لها ، وامتحانا وابتلاء لرسوله صلى اللّه عليه وسلم ولجميع الأمة إلى يوم القيامة . ليرفع بهذه القصة أقواما ويضع بها آخرين . ويزيد اللّه الذين اهتدوا هدى وإيمانا ، ولا يزيد الظالمين إلا خسارا . واقتضى تمام الامتحان والابتلاء أن حبس عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم الوحي شهرا في شأنها . لا يوحي إليه في ذلك بشيء ليتم حكمته التي قدّرها وقضاها ، ويظهر على أكمل الوجوه ، ويزداد المؤمنون الصادقون إيمانا وثباتا على العدل والصدق وحسن الظن باللّه ورسوله وأهل بيته والصديقين من عباده . ويزداد المنافقون إفكا ونفاقا . ويظهر لرسوله وللمؤمنين سرائرهم ، ولتتم العبودية المرادة من الصدّيقة وأبيها . وتتم نعمة اللّه عليهم ، ولتشتد الفاقة والرغبة منها ومن أبيها ، والافتقار إلى اللّه ، والذل له ، وحسن الظن به ، والرجاء له . ولينقطع رجاؤها من المخلوقين ، وتيأس من حصول النصرة والفرج على يد أحد من الخلق . ولهذا وقّت لهذا المقام حقه ، لما قال لها أبوها : قومي إليه ، وقد أنزل اللّه عليه براءتها ، فقالت : واللّه ! لا أقوم إليه ولا أحمد إلا اللّه الذي أنزل براءتي . وأيضا ، فكان من حكمة حبس الوحي شهرا ، أن القضية نضجت وتمخضت واستشرفت قلوب المؤمنين أعظم استشراف ، إلى ما يوحيه اللّه إلى رسوله فيها . وتطلعت إلى ذلك غاية التطلع . فوافى الوحي أحوج ما كان إليه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأهل بيته ، والصديق ، وأهله وأصحابه ، والمؤمنون . فورد عليهم ورود الغيث على الأرض ، أحوج ما كانت إليه . فوقع منهم أعظم موقع وألطفه . وسروا به أتم السرور ، وحصل لهم به غاية الهناء . فلو أطلع اللّه رسوله على حقيقة الحال من أول وهلة ، وأنزل الوحي على الفور بذلك ، لفاتت هذه الحكم وأضعافها ، بل أضعاف أضعافها . وأيضا ، فإن اللّه سبحانه أحب أن يظهر منزلة رسوله وأهل بيته عندهم ، وكرامتهم عليه . وأن يخرج رسوله عن هذه القضية ويتولى هو بنفسه الدفاع والمنافحة عنه ، والرد على أعدائه ، وذمهم وعيبهم بأمر لا يكون له فيه عمل ولا ينسب إليه ، بل يكون هو وحده المتولي لذلك ، الثائر لرسوله وأهل بيته . وأيضا ، فإن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم كان هو المقصود بالأذى . والتي رميت زوجته فلم يكن يليق أن يشهد ببراءتها . مع علمه ، أو ظنه الظن المقارب للعلم ببراءتها ، ولم يظن بها سوءا قط ، وحاشاه وحاشاها . ولذلك لما استعذر من أهل الإفك ، قال : من يعذرني في رجل بلغني أذاه في أهلي ؟ واللّه ! ما علمت على أهلي إلا خيرا . ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا . وما كان يدخل على أهلي إلا معي . فكان عنده
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 344 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود