القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النور ( 24 ) : آية 26 ]
الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ ( 26 )
الْخَبِيثاتُ
أي من النساء
لِلْخَبِيثِينَ
أي من الرجال
وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثاتِ وَالطَّيِّباتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّباتِ
أي بحيث لا يكاد يتجاوز كلّ واحد إلى غيره .
و ( الطيب ) ضد الخبيث وهو الأفضل من كل شيء والأحسن والأجود . قال أبو السعود : وحيث كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أطيب الأطيبين ، وخيرة الأولين والآخرين ، تبين كون الصدّيقة رضي اللّه عنها من أطيب الطيبات بالضرورة . واتضح بطلان ما قيل في حقها من الخرافات ، حسبما نطق به قوله تعالى :
أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ ، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ
وهو الجنة . وبهذه الآية تم نبأ أهل الإفك .
واعلم أن ما اشتملت عليه الآيات من الأحكام والفوائد والمطالب والآداب ، لا تفي بها مجلدات . إلا أنا نشير إلى شيء من ذلك ، نقتبسه من أهم المراجع ، تتميما لما أجملناه في تأويلها .
فالأول : أن نبأ الإفك كان في غزوة المريسيع ( تصغير مرسوع ، بئر أو ماء لخزاعة ) وكانت في شعبان سنة خمس . وسببها أنه صلى اللّه عليه وسلم بلغه أن الحارث بن أبي ضرار ، سيد بني المصطلق سار في قومه ومن قدر عليه من العرب يريد حرب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فخرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بمن معه من أصحابه . وخرج معهم جماعة من المنافقين لم يخرجوا في غزاة قبلها ، فأغار عليهم ، فسبى ذراريّهم وأموالهم . وكانت عائشة رضي اللّه عنها قد خرجت معه ، عليه الصلاة والسلام ، في هذه الغزوة ، بقرعة أصابتها وكانت تلك عادته مع نسائه . فلما رجعوا من الغزوة ، نزلوا في بعض المنازل .
فخرجت عائشة لحاجتها ففقدت عقدا لأختها كانت إعارتها إياه . فرجعت تلتمسه في الموضع الذي فقدته فيه في وقتها . فجاء النفر الذين كانوا يرحلون هودجها ، فظنوها فيه ، فحملوا الهودج ، ولا ينكرون خفته ، لأنها رضي اللّه عنها كانت فتية السن لم يغشها اللحم الذي كان يثقلها . وأيضا ، فإن النفر لما تساعدوا على حمل الهودج ، لم ينكروا خفته . ولو كان الذي حمله واحدا أو اثنين لم يخف عليهما الحال . فرجعت عائشة إلى منزلهم وقد أصابت العقد ، فإذا ليس لها داع ولا مجيب .
فقعدت في المنزل ، وظنت أنهم سيفقدونها فيرجعون في طلبها واللّه غالب على أمره ، يدبر الأمر فوق عرشه كما يشاء فغلبتها عيناها فنامت فلم تستيقظ إلا بقول