تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 343

مساهمون:

ص٣٤٣
صفوان بن المعطل ( بفتح الطاء المشددة سلمى ذكواني صحابي فاضل متقدم الإسلام ) : إنا للّه وإنا إليه راجعون . زوجة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وكان صفوان قد عرس في أخريات الجيش لأنه كان كثير النوم كما جاء عنه في صحيح أبي حاتم وفي السنن . فلما رآها عرفها . وكان يراها قبل نزول الحجاب . فاسترجع وأناخ راحلته ، فقربها إليها ، فركبتها . وما كلمها كلمة واحدة . ولم تسمع منه إلا استرجاعه . ثم سار بها يقودها حتى قدم بها ، وقد نزل الجيش في نحر الظهيرة فلما رأى ذلك الناس تكلم كل منهم بشاكلته وما يليق به . ووجد الخبيث عدو اللّه ابن أبيّ متنفسا . فتنفس من كرب النفاق والحسد الذي بين ضلوعه . فجعل يستحكي الإفك ويستوشيه ويشيعه ويذيعه ويجمعه ويفرقه . وكان أصحابه يتقربون إليه . فلما قدموا المدينة أفاض أهل الإفك في الحديث ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ساكت لا يتكلم . ثم استشار أصحابه في فراقها ، فأشار عليه عليّ رضي اللّه عنه أن يفارقها ويأخذ غيرها ، تلويحا لا تصريحا . وأشار عليه أسامة وغيره بإمساكها ، وألا يلتفت إلى كلام الأعداء . فعلي ، لما رأى أن ما قيل مشكوك فيه ، أشار بترك الشك والريبة إلى اليقين ، ليتخلص رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الهم والغم الذي لحقه من كلام الناس فأشار بحسم الداء . وأسامة لما علم حب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لها ولأبيها ، وعلم من عفتها وبراءتها وحصانتها وديانتها ، ما هي فوق ذلك وأعظم منه ، وعرف من كرامة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم على ربه ومنزلته عنده ودفاعه عنه ؛ أنه لا يجعل ربة بيته وحبيبته ، من النساء وبنت صديقه بالمنزل الذي أنزلها به أرباب الإفك . وأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أكرم على ربه وأعز عليه من أن يجعل تحته امرأة بغيا . وعلم أن الصديقة حبيبة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أكرم على ربه وأعز عليه من أن يجعل تحته امرأة بغيا . وعلم أن الصديقة حبيبة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أكرم على ربها من أن يبتليها بالفاحشة وهي تحت رسوله . ومن قويت معرفة اللّه ومعرفة رسوله وقدره عند اللّه في قلبه - قال كما قال أبو أيوب وغيره من سادات الصحابة ، لما سمعوا ذلك :
سُبْحانَكَ هذا بُهْتانٌ عَظِيمٌ
وتأمل ما في تسبيحهم للّه وتنزيههم له في ذلك المقام ، من المعرفة به وتنزيهه عما لا يليق به أن يجعل لرسوله وخليله وأكرم الخلق عليه ، امرأة خبيثة بغيا . فمن ظن به سبحانه هذا الظن ، فقد ظن به السوء . وعرف أهل المعرفة باللّه ورسوله ، أن المرأة الخبيثة لا تليق إلا بمثلها . كما قال تعالى :
الْخَبِيثاتُ لِلْخَبِيثِينَ
فقطعوا قطعا لا يشكون فيه ، أن هذا بهتان عظيم وفرية ظاهرة . فإن قيل : فما بال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم توقف في أمرها وسأل عنها وبحث واستشار وهو أعرف باللّه وبمنزلته عنده فيما يليق به . وهلا قال : سبحانك هذا بهتان عظيم ، كما قاله فضلاء الصحابة ؟ فالجواب : أن هذا من تمام الحكم الباهرة التي جعل اللّه