تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 336

مساهمون:

ص٣٣٦

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة النور ( 24 ) : آية 11 ]

إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ ( 11 )
إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ
أي بأبلغ ما يكون من الكذب ، وقيل هو البهتان لا تشعر به حتى يفجأك . والمراد به ما أفك به الصديقة ، أم المؤمنين رضي اللّه عنها ؟ فاللام للعهد ويجوز حمله على الجنس . قيل : فيفيد القصر ، كأنه لا إفك إلا هو . وفي لفظ ( المجيء ) إشارة إلى أنهم أظهروه من عند أنفسهم من غير أن يكون له أصل
عُصْبَةٌ مِنْكُمْ
أي جماعة منكم ، خبر ( إن ) و ( منكم ) نعت لها . وبه أفاد الخبر . وقوله تعالى :
لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ
مستأنف ، والهاء ضمير الإفك أو القذف . والخطاب لرسول اللّه صلوات اللّه عليه ، ولآل الصديق رضي اللّه عنهم ، ولمن ساءه ذلك من المؤمنين . تسلية لهم من أول الأمر . وقوله تعالى :
بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
زيادة في التسلية والتكريم . أي لا تظنوه يلحق تهمة بكم أو يوقع نقيصة فيكم ، بل قد جرّ لكم خيرا عظيما . قال الزمخشريّ : ومعنى كونه خيرا لهم ، أنهم اكتسبوا فيه الثواب العظيم . لأنه كان بلاء مبينا ومحنة ظاهرة . وأنه نزلت فيه ثماني عشرة آية ، كل واحدة منها مستقلة ، بما هو تعظيم لشأن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وتسلية له ، وتنزيه لأم المؤمنين رضوان اللّه عليها ، وتطهير لأهل البيت ، وتهويل لمن تكلم في ذلك أو سمع به فلم تمجه أذناه . وعدة ألطاف للسامعين والتالين إلى يوم القيامة . وفوائد دينية وأحكام وآداب لا تخفى على متأمليها .
لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ
أي جزاؤه ، وذلك الذم في الدنيا إلى يوم القيامة ، والجلد ثمانين . ولعذاب الآخرة أشد
وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ
أي قام بعظمه وإشاعته ، بعد ابتدائه بالخوض فيه ، وهو رأس المنافقين عبد اللّه بن أبيّ ، لإمعانه في عداوة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وانتهازه الفرص ، وطلبه سبيلا إلى الغميزة . روى الطبري عن ابن زيد قال : أما الذي تولى كبره فعبد اللّه بن أبيّ ابن سلول الخبيث . هو الذي ابتدأ هذا الكلام وقال : امرأة نبيكم باتت مع رجل حتى أصبحت ، ثم جاء يقود بها . والعذاب العظيم يعم عذابي الدارين ، كما قلنا .