تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 269

مساهمون:

ص٢٦٩
هذا أن الوساوس تلقى أولا في قلوب الفريقين معا ، غير أنها لا تدوم على المؤمنين ، وتدوم على الكافرين . انتهى . وأنت إذا نظرت بين هذا التفسير وبين ما سبقه ، تتبين الأحق بالترجيح . ولو صح ما قاله نقلة قصة الغرانيق لارتفعت الثقة بالوحي وانتقض الاعتماد عليه ، كما قاله القاضي البيضاويّ وغيره . ولكان الكلام في الناسخ كالكلام في المنسوخ . يجوز أن يلقي فيه الشيطان ما يشاء ، ولانهدم أعظم ركن للشرائع الإلهية وهو العصمة . وما يقال في المخرج عن ذلك ، ينفر منه الذوق ولا ينظر إليه العقل على أن وصف العرب لآلهتهم بأنها الغرانيق العلى لم يرد لا في نظمهم ولا في خطبهم . ولم ينقل عن أحد أن ذلك الوصف كان جاريا على ألسنتهم . إلا ما جاء في معجم ياقوت غير مسند ولا معروف بطريق صحيح . وهذا يدل على أن القصة من اختراع الزنادقة ، كما قال ابن إسحاق . وربما كانت منشأ ما أورده ياقوت . ولا يخفى أن الغرنوق والغرنيق لم يعرف في اللغة إلا اسما لطائر مائي أسود أو أبيض . أو هو اسم الكركيّ أو طائر يشبهه والغرنيق ( بالضم وكزنبور وقنديل وسموأل وفردوس وقرطاس وعلابط ) معناه الشاب الأبيض الجميل . وتسمى الخصلة من الشعر المفتلة ( الغرنوق ) كما يسمى به ضرب من الشجر . ويطلق الغرنوق والغرانيق على ما يكون في أصل العوسج اللين النبات . ويقال ( لمة غرانقة ) و ( غرانقية ) أي ناعمة تفيئها الريح . أو الغرنوق الناعم المستتر من النبات إلخ . ولا شيء في هذه المعاني يلائم الآلهة والأصنام ، حتى يطلق عليها في فصيح القول الذي يعرض على ملوك البلاغة وأمراء الكلام . فلا أظنك تعتقد إلا أنها من مفتريات الأعاجم ومختلقات الملبسين ، ممن لا يميز بين حر الكلام ، وما استعبد منه لضعفاء الأحلام . فراج ذلك على من يذهله الولوع بالرواية ، عما تقتضيه الدراية
رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ
[ آل عمران : 8 ] . انتهى كلام الأستاذ رحمه اللّه . وممن جزم بوضع هذه القصة جزما باتّا ، الإمام ابن حزم رحمه اللّه ، حيث قال في كتابه ( الملل ) في الرد على من لم يوجب العصمة على الأنبياء ما مثاله : استدلوا بالحديث الكاذب الذي لم يصح قط في قراءته عليه السلام في
وَالنَّجْمِ إِذا هَوى
وذكروا تلك الزيادة المفتراة التي تشبه من وضعها من قولهم ( وإنها لهي الغرانيق العلى وإن شفاعتها لترتجى ) ثم قال بعد : وأما الحديث الذي فيه ( الغرانيق ) فكذب بحت موضوع . لأنه لم يصح قط من طريق النقل ، ولا معنى للاشتغال به ، إذ وضع الكذب لا يعجز عنه أحد . وأما قوله تعالى
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ