مغازيها ، إلى قوله تعالى في سورة آل عمران :
هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ، فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ وَما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا ، وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ
[ آل عمران : 7 ] ، وقد قال بعد ذلك
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً وَأُولئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ
[ آل عمران : 116 ] ، ثم قال :
قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ
[ آل عمران : 12 ] ، إلخ الآيات . وكأن إحدى الطائفتين من القرآن شرح للأخرى . فالذين في قلوبهم زيغ هم الذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم . والراسخون في العلم هم الذين أوتوا العلم ، وهؤلاء هم الذين يعلمون أنه الحق من ربهم . فيقولون آمنا به كلّ من عند ربنا ، فتخبت له قلوبهم ، وإن اللّه لهاديهم إلى صراط مستقيم . وأولئك هم الذين يفتتنون بالتأويل ، ويشتغلون بقال وقيل بما يلقي إليهم الشيطان ، ويصرفهم عن مرامي البيان ، ويميل بهم عن محجة الفرقان . وما يتكئون عليه من الأموال والأولاد ، لن يغني عنهم من اللّه شيئا .
فستوافيهم آجالهم ، وتستقبلهم أعمالهم . فإن لم يوافهم الأجل على فراشهم .
فسيغلبون في هراشهم . وهذه سنة جميع الأنبياء مع أممهم ، وسبيل الحق مع الباطل من يوم أن رفع اللّه الإنسان إلى منزلة يميز فيها بين سعادته وشقائه ، وبين ما يحفظه وما يذهب ببقائه . وكما لا مدخل لقصة الغرانيق في آيات آل عمران ، لا مدخل لها في آيات سورة الحج ، هذا هو الوجه الأول في تفسير الآيات
وَما أَرْسَلْنا
إلى آخرها ، على تقدير أن ( تمنّى ) بمعنى ( قرأ ) وأن ( الأمنية ) بمعنى ( القراءة ) واللّه أعلم .
الوجه الثاني في تفسير الآيات - أن التمني على معناه المعروف . وكذلك الأمنية . وهي أفعولة بمعنى المنية . وجمعها . أمانيّ كما هو مشهور . قال أبو العباس أحمد بن يحيى : التمني حديث النفس بما يكون وبما لا يكون . قال : والتمني سؤال الرب .
وفي الحديث ( إذا تمنى أحدكم فليتكثر فإنما يسأل ربه )
وفي رواية ( فليكثر ) قال ابن الأثير : ( التمني ) تشهّي حصول الأمر المرغوب فيه ، وحديث النفس بما يكون وبما لا يكون . وقال أبو بكر : تمنيت الشيء إذا قدرته وأحببت أن يصير إليّ . وكل ما قيل في معنى التمني على هذا الوجه ، فهو يرجع إلى ما ذكرناه ويتبعه معنى الأمنية . ما أرسل اللّه من رسول ولا نبيّ ليدعو قوما إلى هدي جديد ، أو شرع سابق شرعه لهم ، ويحملهم على التصديق بكتاب جاء به نفسه إن كان رسولا ؛