تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 258

مساهمون:

ص٢٥٨
بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا
[ الأنبياء : 63 ] ، بعد السكت وبيان الفصل بين الكلامين . ثم رجع إلى تلاوته . وهذا ممكن مع بيان الفصل وقرينة تدل على المراد ، وأنه ليس من المتلوّ . وهو أحد ما ذكره القاضي أبو بكر . ومما يظهر في تأويله ، إن سلمنا القصة ، أن يراد بالغرانيق الملائكة . ورجاء الشفاعة من الملائكة صحيح . فلما تأوّله المشركون على أن المراد بها آلهتهم ، ولبّس عليهم الشيطان ذلك وزيّنه في قلوبهم ، وألقاه إليهم ، نسخ اللّه ما ألقى الشيطان وأحكم آياته ورفع تلاوة تلك اللفظتين . انتهى كلام القاضي ملخصا . وقال أبو بكر الباقلاني : وقيل : كان صلى اللّه عليه وسلم يرتل القرآن ، فارتصده الشيطان في سكتة من السكتات . ونطق بتلك الكلمات ، محاكيا نغمته ، بحيث سمعه من دنا إليه ، فظنها من قوله تعالى وأشاعها . قال : وهذا أحسن الوجوه . ويؤيده ما روي عن ابن عباس من تفسير ( تمنى ) ب ( تلا ) وكذا استحسن ابن العربي هذا التأويل . وقال قبله : إن هذه الآية نص في براءة النبيّ صلى اللّه عليه وسلم مما نسب إليه ، وأن الشيطان زاده في قوله صلوات اللّه عليه ، لا أنه عليه السلام قاله . قال : وقد سبق إلى ذلك الطبري فصوب هذا المعنى وحوّم عليه . واستحسان ابن العربي ذلك ، على فرض صحة القصة ، وإلا فقد قال : ذكر الطبري في ذلك روايات كثيرة باطلة لا أصل لها . وقال تقي الدين بن تيمية : في الآية قولان والمأثور عن السلف يوافق القرآن بذلك . والذين منعوا ذلك من المتأخرين طعنوا فيما ينقل من الزيادة في سورة النجم بقوله ( تلك الغرانيق العلى وإنّ شفاعتهنّ لترتجى ) وقالوا : إن هذا لم يثبت . ومن علم أنه ثبت قال : هذا ألقاه الشيطان في مسامعهم ، ولم يلفظ به الرسول صلى اللّه عليه وسلم . ولكن السؤال وارد على هذا التقدير أيضا . وقالوا في قوله :
إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ
: هو حديث النفس وأما الذين قرروا ما نقل عن السلف ، فقالوا : هذا منقول نقلا ثابتا لا يمكن القدح فيه وقالوا : الآثار في تفسير هذه الآية معروفة ثابتة في كتب التفسير والحديث . والقرآن يوافق ذلك . فإن نسخ اللّه لما يلقي الشيطان ، وإحكامه آياته ، إنما يكون لرفع ما وقع في آياته ، وتمييز الحق عن الباطل حتى لا تختلط آياته بغيرها . وجعل ما يلقي الشيطان فتنة للذين في قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم ، إنما يكون ذلك ظاهرا يسمعه الناس ، لا باطنا في النفس . والفتنة التي تحصل بهذا النوع من النسخ ، من جنس
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 258 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود