وثانيها - أنه عليه السلام ما كان يمكنه في أول الأمر أن يصلي ويقرأ القرآن عند الكعبة آمنا أذى المشركين له . حتى كانوا ربما مدّوا أيديهم إليه . وإنما كان يصلي ، إذا لم يحضروها ، ليلا ، أو في أوقات خلوة . وذلك يبطل قولهم .
وثالثها - أن معاداتهم للرسول كانت أعظم من أن يقروا بهذا القدر من القراءة ، دون أن يقفوا على حقيقة الأمر . فكيف أجمعوا على أنه عظّم آلهتهم حتى خروا سجدا ؟ مع أنه لم يظهر عندهم موافقته لهم .
ورابعها - قوله :
فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ
وذلك لأن إحكام الآيات بإزالة ما يلقيه الشيطان عن الرسول ، أقوى من نسخة بهذه الآيات التي تبقى الشبهة معها . فإذا أراد اللّه إحكام الآيات ، لئلا يلتبس ما ليس بقرآن قرآنا ، فبأن يمنع الشيطان من ذلك أصلا ، أولى .
وخامسها - وهو أقوى الوجوه ، أنا لو جوّزنا ذلك ارتفع الأمان عن شرعه .
وجوّزنا في كل واحد من الأحكام والشرائع أن يكون كذلك ، ويبطل قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ
فإنه لا فرق في العقل بين النقصان عن الوحي ، وبين الزيادة فيه . فبهذه الوجوه عرفنا على سبيل الإجمال ، أن هذه القصة موضوعة .
أكثر ما في الباب أن جمعا من المفسرين ذكرها . لكنهم ما بلغوا حد التواتر .
وخبر الواحد لا يعارض الدلائل النقلية والعقلية المتواترة .
ثم أطال الرازي في تفصيل المباحث . ونقل عن أبي مسلم الأصفهاني ما توسع به البحث فانظره إن شئت .
فصل
وكتب الأستاذ الإمام مفتي مصر ، الشيخ محمد عبده رحمه اللّه في هذه الآية مقالة بديعة ، نقتبس منها شذرات .
قال : يعلم كل ناظر في كتابنا الإلهيّ ( القرآن ) ما رفع الإسلام من شأن الأنبياء والمرسلين ، والمنزلة التي أحلهم من حيث هم حملة الوحي وقدوة البشر ، في الفضائل وصالح الأعمال . وتنزيهه إياهم عما رماهم به أعداؤهم وما نسبه إليهم المعتقدون بأديانهم . ولا يخفى على أحد من أهل النظر ، في هذا الدين القويم ، أنه