تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 256

مساهمون:

ص٢٥٦
الملحدون مع ضعف بعض نقلته ، واضطراب رواياته ، وانقطاع إسناده ، واختلاف كلماته . ومن حكيت عنه هذه الحكاية من المفسرين والتابعين ، لم يسندها أحد منهم ولا رفعها إلى صاحب . وأكثر الطرق عنهم فيها ، واهية ضعيفة ، والمرفوع فيه حديث شعبة عن أبي بشر ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس فيما أحسب ( الشك في الحديث ) أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم كان بمكة ، وذكر القصة . قال أبو بكر البزّار : هذا الحديث لا نعلمه يروى عن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم بإسناد متصل ، يجوز ذكره إلا هذا ، ولم يسنده عن شعبة إلا أمية بن خالد . وغيره يرسله عن سعيد ابن جبير . وإنما يعرف عن الكلبي ، عن أبي صالح ، عن ابن عباس . فقد بين لك أبو بكر رحمه اللّه أنه لا يعرف من طريق يجوز ذكره سوى هذا . وفيه من الضعف ما نبه عليه ، مع وقوع الشك فيما ذكرناه ، الذي لا يوثق به ولا حقيقة معه . وأما حديث الكلبي فما لا تجوز الرواية عنه ولا ذكره ، لقوة ضعفه وكذبه ، كما أشار إليه البزار رحمه اللّه : والذي منه في الصحيح ؛ أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم قرأ سورة ( النجم ) وهو بمكة . فسجد معه المسلمون والمشركون والإنس والجن . هذا توهينه من طريق النقل . وأما من جهة المعنى فقد قامت الحجة وأجمعت الأمة على عصمته عليه السلام ، ونزاهته عن مثل هذه الرذيلة . إما من تمنيه أن ينزل عليه مثل هذا من مدح غير اللّه وهو كفر ، أو أن يتسوّر عليه الشيطان ويشبه عليه القرآن حتى يجعل فيه ما ليس منه ، حتى ينبهه عليه جبريل عليهما السلام . وذلك كله ممتنع في حقه عليه السلام . أو يقول ذلك النبيّ صلى اللّه عليه وسلم من قبل نفسه عمدا ، وذلك كفر . أو سهوا وهو معصوم من هذا كله . ووجه ثان - وهو استحالة هذه القصة نظرا وعرفا . وذلك أن الكلام ، لو كان كما روي ، بعيد الالتئام ، متناقض الأقسام ممتزج المدح بالذم ، متخاذل التأليف . ولما كان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم ولا من بحضرته من المسلمين وصناديد المشركين ، ممن يخفى عليه ذلك ، وهذا لا يخفى على أدنى متأمل . فكيف بمن رجح حلمه ، واتسع في باب البيان ومعرفة فصيح الكلام علمه ؟ ووجه ثالث - أنه قد علم من عادة المنافقين ومعاندي المشركين وضعفة القلوب والجهلة من المسلمين ، نفورهم من أول وهلة ، وتخليط العدوّ على النبيّ صلى اللّه عليه وسلم لأقل فتنة ، وتعييرهم المسلمين والشمّات بهم الفينة بعد الفينة . وارتداد من في قلبه مرض ممن أظهر الإسلام لأدنى شبهة . ولم يحك أحد في هذه القصة شيئا سوى هذه الرواية الضعيفة الأصل . ولو كان