تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ
أي بالانقياد ، والخشية . والضمير للقرآن أو للّه تعالى :
وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ
أي إلى طريق الحق والاستقامة ، فلا تزلّ أقدامهم بقبول ما يلقي الشيطان ، ولا تقبل قلوبهم إلا ما يلقي الرحمن ، لصفائها . هذا هو الصواب في تفسير الآية . ولها نظائر تظهر المراد منها كما أشرنا إليه ، لو احتاجت إلى نظير . ولكنها بيّنة بنفسها ، غنية عن التطويل في التأويل ، لولا ما أحوج المحققين إلى ردّ ما دسه بعض الرواة هنا من الأباطيل . ونحن نسوق ما قيل فيها من ذلك ، ثم نتبعه بنقد المحققين ، لئلا يبقى في نفس الواقف حاجة . قال ابن جرير الطبري : قيل : إن السبب الذي من أجله أنزلت هذه الآية على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، أن الشيطان كان ألقى على لسانه ، في بعض ما يتلوه مما أنزل اللّه عليه من القرآن ، ما لم ينزل اللّه عليه . فاشتد ذلك على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم واغتم به ، فسلّاه اللّه مما به من ذلك ، بهذه الآيات . ثم ذكر من قال ذلك . فأسند عن محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس وغيرهما ؛ أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم جلس في ناد من أندية قريش ، كثير أهله ، فتمنى يومئذ ألا يأتيه من اللّه شيء فينفروا عنه . فأنزل اللّه عليه
وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى
[ النجم : 1 - 2 ] ، فقرأها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم حتى إذا بلغ
أَ فَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى
[ النجم : 19 - 20 ] ، ألقى عليه الشيطان كلمتين ( تلك الغرانيق العلى وإن شفاعتهن لترتجى ) فتكلم بها ، ثم مضى فقرأ السورة كلها . فسجد في آخر السورة وسجد القوم جميعا معه ، ورضوا بما تكلم به . قالا : فلما أمسى أتاه جبريل عليه السلام فعرض عليه السورة . فلما بلغ الكلمتين المذكورتين قال : ما جئتك بهاتين . فحزن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فأنزل اللّه تبارك وتعالى عليه يعزيه
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ
الآية . وقال القاضي عياض في ( الشفا ) : اعلم أن لنا في الكلام على مشكل هذا الحديث مأخذين : أحدهما في توهين أصله ، والثاني على تسليمه . أما المأخذ الأول ، فيكفيك أن هذا لم يخرّجه أحد من أهل الصحة ، ولا رواه ثقة بسند سليم متصل . وإنما أولع به وبمثله المفسرون والمؤرخون المولعون بكل غريب ، المتلقفون من الصحف كل صحيح وسقيم . وصدق القاضي بكر بن العلاء المالكي حيث قال : لقد بلي الناس ببعض أهل الأهواء والتفاسير . وتعلق بذلك
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 255 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود