وثبطوهم عن اتباع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، والإيمان بالقرآن . وكلتا القراءتين متقاربة المعنى .
وذلك أن من عجّز عن آيات اللّه ، فقد عاجز اللّه . ومن معاجزة اللّه التعجيز عن آيات اللّه ، والعمل بمعاصيه ، وخلاف أمره . وكان من صفة القوم الذين نزلت فيهم الآيات أنهم كانوا يبطّئون الناس عن الإيمان باللّه واتباع رسوله . ويغالبون رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، يحسبون أنهم يعجزونه ويغلبونه . وقد ضمن اللّه له نصره عليهم . فكان ذلك معاجزتهم اللّه . كذا في الشهاب وابن جرير . ثم أشار تعالى إلى تسلية رسوله صلوات اللّه عليه ، عما كان يلاقيه من صدّ شياطين قومه عن سبيل اللّه ، بأن تلك سنة كل رسول وأن العاقبة له ، فقال سبحانه :
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الحج ( 22 ) : آية 52 ]
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلاَّ إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 52 )
وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى
أي رغب في انتشار دعوته ، وسرعة علوّ شرعته
أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ
أي بما يصدّ عنها ، ويصرف المدعوّين عن إجابتها
فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ
أي يبطله ويمحقه
ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ
أي يثبتها
فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً ، وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ
[ الرعد : 17 ] ،
وَاللَّهُ عَلِيمٌ
يعلم الإلقاءات الشيطانية ، وطريق نسخها من وجه وحيه .
حَكِيمٌ
يحكم آياته بحكمته . ثم أشار إلى أن من مقتضيات حكمته أنه يجعل الإلقاء الشيطانىّ فتنة للشاكّين المنافقين والقاسية قلوبهم عن قبول الحق ، ابتلاء لهم ليزدادوا إثما . ورحمة للمؤمنين ليزدادوا ثباتا واستقامة ، فقال تعالى :
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الحج ( 22 ) : آية 53 ]
لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ ( 53 )
لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ
أي شك وارتياب
وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ
وهم العتاة المتمردون
وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ
أي خلاف للحق
بَعِيدٍ
عن موافقته جدا ، بسبب ظلمهم وشركهم .
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الحج ( 22 ) : آية 54 ]
وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 54 )