إذا تلي عليه مجمل نبأ يونس عليه السلام في هذه الآية ، يدهش لما ترمي إليه من قوة العتب والملام ، وأنه بإباقه غاضب مولاه ، غضبا لا يماثل الغضب على العصاة . فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين . وأنه ظن أن ينسى فلا يؤاخذ . ويفلت فلا يحصر .
فأتاه ما لم يكن على بال . ووقع في شرك قدرة المتعال ، ثم تداركته النعمة ، ولحقته الرحمة . هذا مجمل ما يفهم من الآية منطوقا ومفهوما . فافهم ما ذكرته لك . فإنه يبلغك من التحقيق أملك .
الثالث : عدّ بعض الملاحدة ابتلاع الحوت يونس محالا . فكتب بعض المحققين مجيبا بأن هذا إنكار لقدرة اللّه فاطر السماوات والأرض . الذي له في خلقه غرائب . ومنها الحيتان المتنوعة الهائلة الجثث ، التي لم يزل يصطاد منها في هذا العصر ، وفي بطونها أجساد الناس بملابسهم . وكتب آخر : لم يتعرض لتعيين نوع الحوت الذي ابتلع يونس . ولعله فيما قال قوم من المحققين . من النوع المعروف عند بعضهم ( بالزفا ) وهو من كبار الحيتان يكون في بحر الروم ، واسع الحلقوم ، حتى أنه ليبتلع الرجل برمته ، دون أن يشدخه أو يجرحه . حتى يبقى في الإمكان أن يخرج منه وهو حيّ : ومع ذلك فلم يكن بغير معجزة بقاؤه ثلاثة أيام في جوف هذا الحوت ، ولبث مالكا رشده متمكنا من التسبيح والدعاء . انتهى .
الرابع : الجمع في قوله :
فِي الظُّلُماتِ
إما على حقيقته ، وهي ظلمة بطن الحوت وظلمة البحر وظلمة الليل . وقد روي ذلك عن ابن مسعود وابن عباس وغيرهما . أو مجاز ، يجعل الظلمة لشدتها وتكاثفها في بطن الحوت كأنها ظلمات .
والمراد منها أحد المذكورات ، أو بطن الحوت . وقدمه الزمخشري ونظره بآية
ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ
[ البقرة : 17 ] .
الخامس : قوله تعالى :
فَاسْتَجَبْنا لَهُ
أي دعاؤه
وَنَجَّيْناهُ مِنَ الْغَمِّ
يعني بأن قذفه الحوت إلى الساحل ، قيل لم يقل ( فنجيناه ) كما قال في قصة أيوب عليه السلام
فَكَشَفْنا *
[ الأنبياء : 84 ] ، لأنه دعا بالخلاص من الضر ، فالكشف المذكور يترتب على استجابته ويونس عليه السلام لم يدع ، فلم يوجد وجه الترتيب في استجابته . وردّ بأن ( الفاء ) في قصة أيوب تفسيرية . والعطف هنا أيضا تفسيري .
والتفنن طريقة مسلوكة في علم البلاغة . ثم لا نسلم أن يونس لم يدع بالخلاص ولو لم يكن دعاء لم تتحقق الاستجابة . واستظهر الشهاب في سر الإتيان بالفاء ثمة . والواو هنا غير التفنن المذكور . أن يقال : إن الأول دعاء بكشف الضر وتلطف في السؤال .