أعجزت كل طوق أن يأتي بمثلها . ولكنها دعت كل قدرة أن تتناول ما تشاء منها .
أما معجزة موت حيّ بلا سبب معروف للموت ، أو حياة ميت أو إخراج شيطان من جسم ، أو شفاء علة من بدن ، فهي مما ينقطع عنده العقل ويجمد لديه الفهم . وإنما يأتي بها اللّه على يد رسله لإسكات أقوام غلبهم الوهم ولم تضيء عقولهم بنور العلم .
وهكذا يقيم اللّه بقدرته من الآيات للأمم على حسب الاستعدادات .
وقال فاضل آخر : قضت مراحم اللّه جلّ شأنه أن يكوّن الأكوان في الطبيعة على ترتيب محكم . ينطق بلسان الصمت للمتبصر ، ويظهر بلباس الوضوح للمتفكر ، ويحبب إليه الانتقال منه إلى غيره بدون أن يشعر بملل ولا سآمة ، ولا يؤوب من استبصاره بندامة ، بدون هذا الاعتبار بالعقل ، لا يأتي للنفس أن تصح عقيدتها ، ولا يتأتى لها تبعا لذلك أن تسكن من اضطرابها . هذا ، ولا ننكر أنه قد مضى على النوع الإنساني زمن كان فيه العقل في دور الطفولية . وكان يكفيه في الإيمان أن يندهش لأمر خارق للطبيعة ، يعطل من سير نواميسها وقتا مّا . وكان اللّه سبحانه وتعالى يرأف بعباده فيرسل إليهم رسلا يمتعهم بخصائص تعجز عن اكتناه سرها عقولهم .
وتندهش لها ألبابهم ، فيستدلون بهذه المعجزات على صدق الرسول وضرورة اتباعه ، وأما الآن ، حيث بلغ العقل أشده ، والنوع الإنسانيّ رشده ، فلا تجدي فيه معجزة ، ولا تنفع فيه غريبة . لأن الشكوك قد كثرت مع كثرة الموادّ العلمية . فإن حدث حادث من هذا القبيل رموا فاعله بالتدليس أوّلا ، ثم إذا ظهر لهم براءته منه أخذوا يعللون معجزته بكل أنواع التعليلات . هذا من جهة . ومن جهة أخرى ، فإن طائفة الاسبيريت الروحيين في أوروبا تعمل الآن من الأعمال المدهشة الخارقة لنواميس الطبيعة ، ما لو رآه الجهلاء لظنوا به أنه من أكبر المعجزات ، من أن القوم لا يدّعون النبوة ، ولا يزعمون الرسالة . نعم ، لا ننكر أن أعمال هذه الطائفة ليست من نوع معجزات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولكنه بدون شك ، يقلل من أهميتها في نظر الذين يقفون مع ظواهر الأشياء .
ومما يدل على أن هذه القرون الأخيرة لا تروج فيها مسائل المعجزات ، تكذيب علماء أوروبا بكل المعجزات السابقة . وهو ، وإن كان تهورا منهم ، إلا أنهم مصيبون في قولهم إننا في زمان لا يجدي فيه الاعتقاد إلا النور العقلي والدليل العلمي . لهذه الأسباب جاءت الشريعة الإسلامية تدعو إلى السبيل الحق ، ببداءة العقل ، وقواعد العلم . صارفة النظر عن المعجزات وإظهار المدهشات . لعلم اللّه سبحانه وتعالى بأنه سيأتي زمان تؤثر فيه المقررات العلمية على القوة العقلية ، ما لا تؤثر عليها الخوارق للنواميس الطبيعية . انتهى .
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 170
مساهمون: محمد جمال الدين القاسمي
ص١٧٠