تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 168

مساهمون:

ص١٦٨
الآمر بها نفع مّا ، لتعاليه وتنزهه بقوله
لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ
أي لا نسألك مالا . بل نكلفك عملا ببدنك نؤتيك عليه أجرا عظيما وثوابا جزيلا . ومعنى : نحن نرزقك ، أي نحن نعطيك المال ونكسبك ولا نسألكه . قاله ابن جرير . وقال أبو مسلم : المعنى أنه تعالى إنما يريد منه ومنهم العبادة . ولا يريد منه أن يرزقه كما تريد السادة من العبيد الخراج . وهو كقوله تعالى :
وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ
[ الذاريات : 56 - 57 ] ، وقال بعض المفسرين : معنى الآية . أقبل مع أهلك على الصلاة واستعينوا بها على خصاصتكم . ولا تهتموا بأمر الرزق والمعيشة ، فإن رزقك مكفي من عندنا ، ونحن رازقوك . وهذا المعنى لا تدل عليه الآية منطوقا ولا مفهوما . وفيه حض على القعود عن الكسب ، ومستند للكسالى القانعين بسكنى المساجد عن السعي المأمور به . وقد قال تعالى : في وصف المتقين
رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ
[ النور : 37 ] ، إشارة إلى جمعهم بين الفضيلتين .
رَبَّنا آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً
[ البقرة : 201 ] . وقوله تعالى :
وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى
أي والعاقبة الحسنة من عمل كل عامل ، لأهل التقوى والخشية من اللّه ، دون من لا يخاف له عقابا ولا يرجو له ثوابا .

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة طه ( 20 ) : آية 133 ]

وَقالُوا لَوْ لا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَ وَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى ( 133 )
وَقالُوا لَوْ لا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ
يعنون ما تعنتوا في اقتراحه مما تقدم ، في سورة بني إسرائيل ، من قوله تعالى :
وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ . . .
[ الإسراء : 90 - 91 ] الآية . وقول تعالى :
أَ وَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى
أي : أو لم يأتهم بيان ما في الكتب التي قبل هذا الكتاب ، من أنباء الأمم من قبلهم ، التي أهلكناهم لما سألوا الآيات ، فكفروا بها لما أتتهم ، كيف عجلنا لهم العذاب ، وأنزلنا بهم بأسنا بكفرهم بها . يقول : فماذا يؤمنهم إن أتتهم الآية ، أن يكون حالهم حال أولئك . هذا ما قاله ابن جرير . وذهب غيره إلى أن المعنى : أو لم يأتهم آية هي أم الآيات وأعظمها ، وهي معجزة القرآن المبينة لما في الكتب الأولى من التوراة والإنجيل والزبور . مع أن الآتي