تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 161

مساهمون:

ص١٦١
وفي الصحيح « 1 » ، عن البراء بن عازب في قوله
يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ
[ إبراهيم : 27 ] ، قال : نزلت في عذاب القبر . والأحاديث في عذاب القبر تكاد تبلغ حد التواتر . والمقصود أن اللّه سبحانه أخبر أن من أعرض عن ذكره وهو الهدى الذي من اتبعه لا يضل ولا يشقى ، بأن له معيشة ضنكا ، وتكفل لمن حفظ عهده أن يحيه حياة طيبة ويجزيه أجره في الآخرة فقال تعالى :
مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً . وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
[ النحل : 97 ] ، فأخبر سبحانه عن فلاح من تمسك بعده علما وعملا في العاجلة بالحياة الطيبة ، وفي الآخرة بأحسن الجزاء . وهذا بعكس من له المعيشة الضنك في الدنيا والبرزخ ، ونسيانه في العذاب في الآخرة . وقال سبحانه :
وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ
[ الزخرف : 36 - 37 ] ، فأخبر سبحانه أن ابتلاءه بقرينه من الشياطين وضلاله به ، إنما كان لسبب إعراضه وعشوه عن ذكره الذي أنزله على رسوله . فكان عقوبة هذا الإعراض ، أن قيض له شيطانا يقارنه فيصده عن سبيل ربه وطريق فلاحه . وهو يحسب أنه مهتد . حتى إذا وافى ربه يوم القيامة من قرينه ، وعاين هلاكه وإفلاسه قال :
يا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ
[ الزخرف : 38 ] ، وكل من أعرض عن الاهتداء بالوحي الذي هو ذكر اللّه ، فلا بد أن يقول هذا يوم القيامة . فإن قيل : فهل لهذا عذر في ضلاله ، إذا كان يحسب أنه على هدى كما قال تعالى :
وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ *
[ الزخرف : 37 ] ؟ قيل : لا عذر لهذا وأمثاله في الضلال ، الذين منشأ ضلالهم الإعراض عن الوحي الذي جاء به الرسول . ولو ظن أنه مهتد ، فإنه مفرط بإعراضه عن اتباع داعي الهدى . فإذا ضل فإنما أتي من تفريطه وإعراضه . وهذا بخلاف من كان ضلاله لعدم بلوغ الرسالة ، وعجزه عن الوصول إليها ، فذاك له حكم آخر . والوعيد في القرآن إنما يتناول الأول . وأما الثاني فإن اللّه لا يعذب أحدا إلا بعد إقامة الحجة عليه كما قال تعالى :
وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا
[ الإسراء : 15 ] ، وقال تعالى :
رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ
[ النساء : 165 ] ، و
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في : التفسير ، 14 - سورة إبراهيم ، 2 - بابيُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ، حديث 725 .