تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
رياض الجنة ) ولا تظن أن قوله تعالى :
إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ
[ الانفطار : 13 - 14 ] ، يختص بيوم المعاد فقط ، بل هؤلاء في نعيم في دورهم الثلاثة . وهؤلاء في جحيم في دورهم الثلاثة . وأي لذة ونعيم في الدنيا أطيب من بر القلب وسلامة الصدر ومعرفة الرب تعالى ومحبته والعمل على موافقته ؟ وهل عيش في الحقيقة إلا عيش القلب السليم ؟ وقد أثنى اللّه تعالى على خليله عليه السلام بسلامة قلبه فقال :
وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْراهِيمَ إِذْ جاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
[ الصافات : 83 - 84 ] ، وقال حاكيا عنه أنه قال :
يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ
[ الشعراء : 88 - 89 ] ، والقلب السليم هو الذي سلم من الشرك والغل والحقد والحسد والشح والكبر وحب الدنيا والرياسة . فسلم من كل آفة تبعده من اللّه ، وسلم من كل شبهة تعارض خبره ، ومن كل شهوة تعارض أمره . وسلم من كل إرادة تزاحم مراده . وسلم من كل قاطع يقطعه عن اللّه . فهذا القلب السليم في جنة معجلة في الدنيا ، وفي جنة في البرزخ وفي جنة يوم المعاد انتهى ملخصا . وقال رحمه اللّه في ( مفتاح دار السعادة ) : فسّر غير واحد من السلف قوله تعالى :
فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً
بعذاب القبر . وجعلوا هذه الآية أحد الأدلة الدالة على عذاب القبر . ولهذا قال
وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى قالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً قالَ كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى
أي تترك في العذاب كما تركت العمل بآياتنا . فذكر عذاب البرزخ وعذاب دار البوار ، ونظيره قوله تعالى في حق آل فرعون :
النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا
[ غافر : 46 ] ، فهذا في البرزخ
وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ
فهذا في القيامة الكبرى . ونظيره قوله تعالى :
وَلَوْ تَرى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَراتِ الْمَوْتِ وَالْمَلائِكَةُ باسِطُوا أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ ، الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آياتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ
فقول الملائكة
الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ
المراد به عذاب البرزخ الذي أوله يوم القبض والموت . ونظيره قوله تعالى :
وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ
[ الأنفال : 50 ] ، فهذه الإذاقة في البرزخ . وأولها حين الوفاة ، فإنه معطوف على قوله
يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبارَهُمْ
وهو من القول المحذوف لدلالة الكلام عليه كنظائره . وكلاهما واقع وقت الوفاة .