ذكره . فالمعرض عنه له من ضنك المعيشة بحسب إعراضه ، وإن تنعم في الدنيا بأوصاف النعم ، ففي قلبه من الوحشة والذل والحسرات التي تقطع القلوب ، والأماني الباطلة والعذاب الحاضر ما فيه ، وإنما تواريه عنه سكرات الشهوات والعشق وحب الدنيا والرياسة ، إن لم ينضم إلى ذلك سكر الخمر . فسكر هذه الأمور أعظم من سكر الخمر . فإنه يفيق صاحبه ، ويصحو . وسكر الهوى وحب الدنيا لا يصحو صاحبه إلا إذا سكر في عسكر الأموات . فالمعيشة الضنك لازمة لمن أعرض عن ذكر اللّه الذي أنزله على رسوله صلى اللّه عليه وسلم في الدنيا وفي البرزخ ويوم المعاد . ولا تقرّ العين ولا يهدأ القلب ولا تطمئن النفس إلا بإلهها ومعبودها الذي هو حق ، وكل معبود سواه باطل ، فمن قرت عينه باللّه ، قرت به كل عين . ومن لم تقر عينه باللّه ، تقطعت نفسه على الدنيا حسرات . واللّه تعالى إنما جعل الحياة الطيبة لمن آمن باللّه وعمل صالحا ، كما قال تعالى :
مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ
[ النحل : 97 ] ، فضمن لأهل الإيمان والعمل الصالح ، الجزاء في الدنيا بالحياة الطيبة ، والحسنى يوم القيامة . فلهم أطيب الحياتين وهم أحياء في الدارين . ونظير هذا قوله تعالى :
لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةٌ ، وَلَدارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ ، وَلَنِعْمَ دارُ الْمُتَّقِينَ
[ النحل : 30 ] ، ونظيرها قوله تعالى :
وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتاعاً حَسَناً إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ
[ هود : 3 ] ، ففاز المتقون المحسنون بنعيم الدنيا والآخرة ، وحصلوا على الحياة الطيبة في الدارين ، فإن طيب النفس وسرور القلب وفرحه ولذته وابتهاجه وطمأنينته وانشراحه ونوره وسعته وعافيته ، من ترك الشهوات المحرمة والشبهات الباطلة ، هو النعيم على الحقيقة . ولا نسبة لنعيم البدن إليه ، فقد كان بعض من ذاق هذه اللذة يقول : لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه ، لجالدونا عليه بالسيوف . وقال آخر : إنه يمر بالقلب أوقات أقول فيها : إن كان أهل الجنة في مثل هذا ، إنهم لفي عيش طيّب . وقال آخر : إن في الدنيا جنة ، هي في الدنيا كالجنة في الآخرة . من لم يدخلها لم يدخل جنة الآخرة .
و
قد « 1 » أشار النبيّ صلى اللّه عليه وسلم إلى هذه الجنة بقوله : ( إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا .
قالوا : وما رياض الجنة ؟ قال : حلق الذكر .
و
قال « 2 » : ما بين بيتي ومنبري روضة من
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في : الدعوات ، 82 - باب حدثنا يوسف بن حماد البصري .
( 2 ) أخرجه البخاري في : الصلاة في مسجد مكة والمدينة ، 5 - باب فضل ما بين القبر والمنبر ، حديث 648 ، عن عبد اللّه بن زيد المازني .