تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 156

مساهمون:

ص١٥٦
يرشد إليه العقل عريّا عن الوحي . فيقال لهم : العقل ، من حيث هو ، ضعيف متغيّر قاصر . يرى اليوم صوبا ما يراه في الغد خطأ . ويحكم اليوم على أمر أنه حلال مباح ، ويرى غدا أنه حرام لا يجوز إتيانه . تحمله أغراضه على استحلال ما يلذّ له وتجعله مستنفرا مما يضادّ أهواءه ، فكيف يكون صاحبه مستقيما في أعماله ؟ وما هي القاعدة المطردة الثابتة للاستقامة عند هؤلاء ؟ وكلّ يرى نفسه ويخيّل له أنه مستقيم ! ! فالصيني مثلا يرى نفسه مستقيما ولو باع أو قتل أولاده . والهندي يرى هذه الاستقامة في نفسه ، ولو أحرق المرأة على جثة رجلها . والوثني يرى نفسه مستقيما ، ولو ارتكب الفحشاء تكرمة للزهرة . هذا ، وإن أكبر الفلاسفة ضلّوا في موادّ ما يشرعون . ولم يهتدوا لجادّة الاستقامة الحقة . فإنّى يمكن لعامة الناس أن يكون لكل منهم دين طبيعي يقلبه كيف شاء ، ويجعله كشيء مرن ، يمده إلى ما طاب له ، ويقصره عن كل ما عافه . فيختلف هذا الدين باختلاف العقول والأهواء فيهم . وكيف نسمي شريعة ثابتة عامة ، ما كان وقفا على إرادة كل فرد وأهوائه ؟ وإذا سلمنا ، مجاراة ، أنه يوجد من كان ميّالا طبعا إلى الاستقامة والعدل والعفة ، فيحمله طبعه على ذلك ، فماذا نقول فيمن كان بالطبع محبّا للانتقام والاعتداء والشهوات . لا سيما والعقل ضعيف والنفس أمّارة بالسوء ، فإنّى يكون العقل وحده وازعا عن ارتكاب المعاصي والجرائم . فما قضى سبحانه بشريعته لمخلوقاته رحمة منه بهم ، إلا لضعفهم وميلهم إلى الشر . وضعف الإنسان وانحرافه يقضي بإلزامه شريعة يخضع لها . فهي ضرورية له ضرورة نظام الأجرام الفلكية لها . وملازمة له ملازمة النطق والإدراك والحرية ، ولزوم الامتداد والثقل والجذب والدفع للأجرام الجامدة . وأول بينة على ملازمة الشريعة طبع الإنسان ، ما يجده في نفسه ووجدانه من انغراسها فيه انغراسا نظريّا . حتى لا يمكنه أن يجرّد نفسه . مثلا ، كيف يمكن للإنسان ، ولو مهما تعامى في الشر ، أن يجرّد نفسه عن تصور أنه خاضع لشريعة تنهاه عن القتل واختلاس مال غيره والاعتداء عليه بأيّ نوع كان ؟ فالشريعة مكتوبة على قلوبنا في ألواح لحمية . ومن بحث عن عموم سكان البسيطة ، وجد إجماع القبائل والشعوب قاطبة على شرائع ، وإن اختلفت في بعض موادها . والحرية التي منحت للإنسان إنما قيدت محاسنها بالشرائع والخضوع لها . وإلا فهي دمار لنظام العالم ، وجائحة للأدب ، وآفة لما غرس البارئ في عقول الناس أجمعين ، من عهد آدم إلى يومنا هذا . وذلك لاستلزامها إفساد الطبع الإنساني ، والإجحاف بالشرائع الأدبية . لأن الإنسان متى علم أن ليس له إله يثيب على الخير