تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 155

مساهمون:

ص١٥٥
هذه اليهودية ، يرى في اشتراعها في الآصار والأغلال والتكاليف الشاقة في المعيشة الحيوية ما لا يطاق . قيود في المأكل والمشرب . وحجر في المنكح والمبيت والمعاشرة . وضغط على الأنفس بتقسيمها إلى طاهرين يحضرون الاحتفالات ، ونجسين مبعدين لا يلمسون ولا يلمسون . دع عنك خرافات الاعتقادات والافتراء بالأهواء في التشريعات وتشعبها في الأهواء إلى شعب تتباين في العبادات . وهذه النصرانية ، الذي أساسها تعديل الشرعة الموسوية قام رهبانها بعد رفع المسيح ، ومضي عصر الحواريين . فأطلقوا لأتباعهم كل قيد في اليهودية . وأمروهم بنبذ أحكام التوراة نكاية لليهود . وأخذوا يشرعون للناس ما لا ينطبق على أصل التوراة ولا بعثة عيسى . فإنه عليه السلام قال ( ما جئت لأهدم الناموس - التوراة - بل لأتممه ) : فترى ما أحدث من طقوس الكنيسة وتعاليمها ، اعتقادا وعبادة وسلطة وسيطرة جائرة على العقل والفكر ، وربط الأمور بأيدي الكهنة حلّا وإبراما ، تبعا لرغائب الأنفس والشهوات ، مما يتضجر منه كل مسيحيّ ذاق جوهر الدين المسيحي حقّا . إذ جوهره مع ابتداعهم على طرفي نقيض ، فإنّى لا يضيق ذرعه ولا تضنك معيشته ! لذلك لما استقر سلطان الإسلام بالأندلس ، واحتك النصارى بالمسلمين في الحروب الصليبية ، واستمدوا من معارف الإسلام وعلومه ما قلد جيدهم مننا لا تنكر ؛ أخذوا يقاومون الكنيسة في حظرها على المعارف والفنون ، ومعاداتها للعلوم . وجرى بإغراء الكهنة ، من الدماء المسفوكة ما اسودت به صحف التاريخ . ثم كان الفوز لدعاة الإصلاح . وتفرقوا أحزابا . ولا يزالون يتقربون إلى الإسلام ، بنبذهم سخائف ما ورثوه . ولذا تراهم في عيشة ضنك يسعون لأرقى مما هم عليه ، علما بأن الدخائل والبدع في دينهم ، أفسدت عليهم ما أفسدت . ولن يتسنى لهم الرقي إلا بالرجوع إلى دين الفطرة . وهم يسعون إليه ، وإن كانوا لا يشعرون ، أو يشعرون ويتجاهلون . هذه رشحات من المعيشة الضنك لأمتين عظيمتين ، وهما تنتميان إلى كتابين منزلين . . فما ظنك بالمجوس والوثنيين وفرقهم التي لا تحصى . ولا يزال عقلاؤهم يطلبون التملص منها ، لكثرة خرافاتها وضررها ، نفسا ومالا وعرضا . فأهلها في شقاء وعذاب لا يشاكله عذاب . ومن نجا من ويلاتها بالإسلام ، لا يعد ولا يحصى . وقس على هؤلاء ، الطائفة المسماة بالماديين . وهم الدهريون والطبيعيون . فإنهم بلا ريب أضيق صدرا وأضنك معيشة وأشد اضطرابا وأعظم فرقة . فلا يمكن أن يوجد اثنان على رأي واحد . بل يتصور كل منهم إلهه كما يهوى وكما تخيّله له رغائبه وشهواته . قال بعضهم : هؤلاء الذين يحصرون دينهم في أن يعرف الإنسان اللّه ، ويكون مستقيما في أعماله ، إذا سئلوا : ما هو الدين الطبيعي الذي تعترفون به ؟ فيجيبون إنما هو الذي