تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 154

مساهمون:

ص١٥٤
المتجدد ، وإنما قصد الوصف الثابت اللازم . ولذلك جرت أوصافا على أعرف المعارف ، وهو اسم اللّه تعالى في قوله تعالى :
تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ غافِرِ الذَّنْبِ
[ غافر : 2 - 3 ] الآية . الثانية - قرئ ( ضنكا ) بالتنوين على أنه مصدر وصف به ، ولذا لم يؤنث لاستوائه في القبيلين . كما قال ابن مالك :
ونعتوا بمصدر كثيرا * فالتزموا الإفراد والتذكيرا
وفي القاموس : الضنك الضيق في كل شيء ، للذكر والأنثى . يقال : ضنك ككرم ، ضنكا وضناكة وضنوكة ، ضاق . وقال السمين : ( ضنكا ) صفة معيشة . وأصله المصدر فلذلك لم يؤنث . ويقع للمفرد والمثنى والمجموع بلفظ واحد . وقرأ الجمهور ( ضنكا ) بالتنوين وصلا ، وإبداله ألفا وقفا ، كسائر المعربات . وقرأت فرقة ( ضنكي ) بألف كسكري . وفي هذه الألف احتمالان : فإما أن تكون بدلا من التنوين ، وإنما أجرى الوصل مجرى الوقف ، وإما أن تكون ألف التأنيث بني المصدر على ( فعلى ) نحو دعوى . الثالثة - ذكروا في هذه المعيشة الضنك التي للكافر أقوالا : إنها في الدنيا أو في القبر أو في الآخرة أو في الدين . والأظهر الأول لمقابلته بالوعيد الأخروي . قال ابن كثير : أي ضنكا في الدنيا ، فلا طمأنينة له ولا انشراح لصدره . بل صدره ضيّق حرج لضلاله ، وإن تنعم ظاهره ، ولبس ما شاء ، وأكل ما شاء ، وسكن حيث شاء ، فإن قلبه ما لم يخلص إلى اليقين والهدى ، فهو في قلق وحيرة وشك . فلا يزال في ريبه يتردد : فهذا من ضنك المعيشة . انتهى . وذلك لأن الاعتقاد بالدين الحق واليقين الصحيح لراحة الضمائر والأنفس ، فوق كل الأهواء والذات والمآرب . فالضنك المعنيّ بها ، إذن هو الضنك الحيويّ والقلق الدنيوي ، من اضطراب القلب وعدم سكون النفس إلى الاعتقاد الحق والإيمان بالدين القيّم الذي هو دين الإسلام . فكل من لم يؤمن به فهو في ضيق صدر وهموم ومحابس ، لا يجد منها مخارج إلا به ولا يرتاب في ذلك إلا من كابر حسه وناقض وجدانه . فإن دين الإسلام هو دين الفطرة . دين اليسر . دين العقل . دين النور الذي تنشرح به الصدور وتطمئن به القلوب وتشفى به الأنفس من أدوائها ، وتهتدي به من ضلالها وحيرتها ، وتستنير به من ظلماتها . ولذلك سمي هدى ونورا وشفاء ورحمة . ألق نظرك على الأديان كلها ، وقابل بينها وبينه ، لتدرك ذلك .
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 154 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود