تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
لأصالته في الأمور ، واستلزام شقائه بشقائها . فاختصر الكلام لذلك ، مع المحافظة على الفاصلة .

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة طه ( 20 ) : الآيات 118 إلى 119 ]

إِنَّ لَكَ أَلاَّ تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى ( 118 ) وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى ( 119 )
إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها وَلا تَعْرى
وَأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها وَلا تَضْحى
أي لا تتصوّن من حرّ الشمس . قال أبو السعود : هذا تعليل لما يوجبه النهي . فإن اجتماع أسباب الراحة فيها . مما يوجب المبالغة في الاهتمام بتحصيل مبادئ البقاء فيها . والجدّ في الانتهاء عما يؤدي إلى الخروج عنها . والعدول عن التصريح بأن له عليه السلام فيها تنعما بفنون النعم . من المآكل والمشارب ، وتمتعا بأصناف الملابس البهية والمساكن المرضية ، مع أن فيه من الترغيب في البقاء فيها ، ما لا يخفى . إلى ما ذكر من نفي نقائضها التي هي الجوع والعطش والعري والضحو ، لتذكير تلك الأمور المنكرة والتنبيه على ما فيها من أنواع الشقوة التي حذره عنها ، ليبالغ في التحامي عن السبب المؤدي إليها . انتهى .

لطيفة :

قال الناصر : في الآية سر بديع من البلاغة ، يسمى قطع النظير عن النظير . وذلك أنه قطع الظمأ عن الجوع ، والضحو عن الكسوة ، مع ما بينهما من التناسب . والغرض من ذلك تحقيق تعداد هذه النعم وتصنيفها : ولو قرن كلّا بشكله لتوهم المعدودات نعمة واحدة . وقد رمق أهل البلاغة سماء هذا المعنى قديما وحديثا ، فقال الكندي الأول :
كأنّي لم أركب جوادا للذّة * ولم أتبطّن كاعبا ذات خلخال
ولم أسبأ الزّقّ الرويّ ولم أقل * لخيلي : كرّي كرّة بعد إجفال
فقطع ركوب الجواد عن قوله ( لخيلي كري كرة ) وقطع تبطن الكاعب عن ترشف الكأس ، مع التناسب . وغرضه أن يعدّد ملاذّه ومفاخره ويكثرها . على أن هذه الآية سرّا لذلك ، زائدا على ما ذكر ، وهو قصد تناسب الفواصل . ولو قرن الظمأ بالجوع فقيل : إن لك أن لا تجوع فيها ولا تظمأ ، لانتثر سلك رؤوس الآي . وأحسن به منتظما . انتهى . وهذا السرّ الذي سمّاه ( قطع النظير عن النظير )