تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 137

مساهمون:

ص١٣٧
الثانية - جوز في إيثار قوله تعالى :
ما فِي يَمِينِكَ
على ( عصاك ) وجهان : أحدهما - أن يكون تعظيما لها . أي لا تحتفل بهذه الأجرام الكبيرة الكثيرة . فإن في يمينك شيئا أعظم منها كلها . وهذه على كثرتها أقل شيء وأنزره عنده . فألقه يتلقفها بإذن اللّه ويمحقها . وثانيهما - أن يكون تصغيرا لها أي لا تبال بكثرة حبالهم وعصيهم . وألق العويد الفرد الصغير الجرم الذي في يمينك . فإنه بقدرة اللّه يتلقفها على وحدته وكثرتها ، وصغره وعظمها . وإنما المقصود بتحقيرها في جنب القدرة ، تحقير كيد السحرة بطريق الأولى . لأنها إذا كانت أعظم منّة وهي حقيرة في جانب قدرة اللّه تعالى ، فما الظن بكيدهم وقد تلقفته هذه الحقيرة الضئيلة ؟ . ولأصحاب البلاغة طريق في علوّ المدح بتعظيم جيش عدوّ الممدوح ، ليلزم من ذلك تعظيم جيش الممدوح وقد قهره واستولى عليه . فصغر اللّه أمر العصا ، ليلزم منه كيد السحرة الداحض بها في طرفة عين . واعلم أنه لا بد من نكتة تناسب الأمرين - التعظيم والتحقير - وتلك ، واللّه أعلم ، هي إرادة المذكور مبهما ، لأن
ما فِي يَمِينِكَ
أبهم من ( عصاك ) وللعرب مذهب في التنكير والإبهام ، والإجمال ، تسلكه مرة لتحقير شأن ما أبهمته ، وأنه عند الناطق به أهون من أن يخصه ويوضحه . ومره لتعظيم شأنه ، وليؤذن أنه من عناية المتكلم والسامع بمكان ، يغني في الرمز والإشارة . فهذا هو الوجه في إسعاده بهما جميعا . ثم قال الناصر : وعندي في الآية وجه سوى قصد التعظيم والتحقير . واللّه أعلم . وهو ؛ أن موسى عليه السلام ، أول ما علم أن العصا آية من اللّه تعالى ، عندما سأله عنها بقوله تعالى
وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى
ثم أظهر له تعالى آيتها ، فلما دخل وقت الحاجة إلى ظهور الآية منها ، قال تعالى :
وَأَلْقِ ما فِي يَمِينِكَ
ليتيقظ بهذه الصيغة للوقت الذي قال اللّه تعالى له :
وَما تِلْكَ بِيَمِينِكَ
وقد أظهر له آيتها ، فيكون ذلك تنبيها له وتأنيسا ، حيث خوطب بما عهد أن يخاطب به وقت ظهور آيتها . وذلك مقام يناسب التأنيس والتثبيت . ألا ترى إلى قوله تعالى :
فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى
؟ انتهى . ولأبي حيان نكتة أخرى . وهي ما في اليمين من الإشعار باليمن والبركة . ولا يقال جاء في سورة الأعراف
أَلْقِ عَصاكَ
والقصة واحدة . لأنه يجاب بأنه مانع من