رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسابُ
[ إبراهيم : 41 ] ، وقد استغفر المسلمون لقراباتهم وأهليهم من المشركين في ابتداء الإسلام . وذلك اقتداء بإبراهيم الخليل في ذلك . حتى أنزل اللّه تعالى :
قَدْ كانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْراهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
إلى قوله :
إِلَّا قَوْلَ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ
[ الممتحنة : 4 ] ، يعني إلا في هذا القول ، فلا تتأسّوا به . ثم بيّن تعالى أن إبراهيم أقلع عن ذلك ورجع عنه ، فقال تعالى
ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ
، إلى قوله :
وَما كانَ اسْتِغْفارُ إِبْراهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَها إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ ، إِنَّ إِبْراهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ
[ التوبة :
113 - 114 ] ، وقوله :
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة مريم ( 19 ) : آية 48 ]
وَأَعْتَزِلُكُمْ وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُوا رَبِّي عَسى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا ( 48 )
وَأَعْتَزِلُكُمْ
أي أتباعد عنك وعن قومك بالهجرة
وَما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
أي من أصنامكم .
قال الزمخشريّ : المراد بالدعاء العبادة ، لأنه منها ومن وسائطها . ومنه
قوله صلى اللّه عليه وسلم « 1 » : الدعاء هو العبادة .
ويدل عليه قوله تعالى :
فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
[ مريم : 49 ] ،
وَأَدْعُوا رَبِّي
أي أعبده وحده
عَسى أَلَّا أَكُونَ بِدُعاءِ رَبِّي شَقِيًّا
أي خائبا ضائع السعي . وفيه تعريض بشقاوتهم بدعاء آلهتهم ، مع التواضع للّه بكلمة
عَسى
، وما فيه من هضم النفس ومراعاة حسن الأدب ، والتنبيه على أن الإجابة والإثابة بطريق التفضل منه تعالى .
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة مريم ( 19 ) : آية 49 ]
فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلاًّ جَعَلْنا نَبِيًّا ( 49 )
فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَما يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ
وذلك بالمهاجرة إلى الشام
وَهَبْنا لَهُ إِسْحاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنا نَبِيًّا
أي جعلنا له بنين وحفدة ، أنبياء قرّت عينه بهم في حياته . بدل من فارقهم من أقربائه الكفرة الفجرة . وقوله تعالى :
هامش
( 1 ) أخرجه الترمذي في : التفسير ، 2 - سورة البقرة ، 16 - حدثنا هناد ، عن النعمان بن بشير .