القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة مريم ( 19 ) : آية 43 ]
يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا ( 43 )
يا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ ما لَمْ يَأْتِكَ
أي وحق القاصر اتباع الإنسان الكامل
فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِراطاً سَوِيًّا
أي معتدلا لا إفراط فيه بعبادة من لا يستحق ، ولا تفريط بترك عبادة من يستحق ، وكذا في باب الأخلاق والأعمال . قال المهايميّ :
أي وإن كان حق الأبن اتباع الأب في العرف ، لكنه باطل . لأن الحق اتباع الصواب .
قال الزمخشريّ : ثنّى عليه السلام بدعوته إلى الحق مترفقا به متلطفا . فلم يسم أباه بالجهل المفرط ، ولا نفسه بالعلم الفائق . ولكنه قال : إن معي طائفة من العلم وشيئا منه ليس معك ، وذلك علم الدلالة على الطريق السويّ . فلا تستنكف . وهب أني وإياك في مسير ، وعندي معرفة بالهداية دونك ، فاتبعني أنجك من أن تضل وتتيه .
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة مريم ( 19 ) : آية 44 ]
يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا ( 44 )
يا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطانَ ، إِنَّ الشَّيْطانَ كانَ لِلرَّحْمنِ عَصِيًّا
.
ثلّث عليه السلام بتثبيطه ونهيه عما كان عليه ، بتصويره بصورة يستنكرها كل عاقل ، ببيان أنه مع عرائه عن النفع بالمرة ، مستجلب لضرر عظيم ، فإنه في الحقيقة عبادة الشيطان . لما أنه الآمر به والمسوّل له ، وقوله :
إِنَّ الشَّيْطانَ
إلخ تعليل لموجب النهي وتأكيد له ، ببيان أنه مستعص على ربك الذي أنعم عليك بفنون النعم . ولا ريب في أن المطيع للعاصي عاص . والإظهار في موضع الإضمار لزيادة التقرير . والاقتصار على ذكر عصيانه من بين سائر جناياته ، لأنه ملاكها . والتعرض لعنوان الرحمانية ، لإظهار كمال شناعة عصيانه . أفاده أبو السعود .
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة مريم ( 19 ) : آية 45 ]
يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا ( 45 )
يا أَبَتِ إِنِّي أَخافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذابٌ مِنَ الرَّحْمنِ
لكونك عصيته وواليت عدوّه ، فيقطع رحمته عنك ، كما قطعها عن الشيطان
فَتَكُونَ لِلشَّيْطانِ وَلِيًّا
أي مقارنا له ومشاركا معه في عذابه .