تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 373

مساهمون:

ص٣٧٣
وكانوا قد فتحوها بإيجاف الخيل والركاب ، وهم عشرة آلاف ، وفيهم حاجة إلى ما يحتاج إليه الجيش من أصحاب القوة ، فحرك سبحانه قلوب المشركين لغزوهم ، وقذف في قلوبهم إخراج أموالهم ونعمهم وشياههم ، وسبيهم معهم نزولا وضيافة ، وكرامة لحزبه وجنده ، وتمم تقديره سبحانه بأن أطمعهم في الظفر ، وألاح لهم مبادئ النصر ، ليقضي اللّه أمرا كان مفعولا . فما أنزل اللّه نصره على رسوله وأوليائه ، وبرزت الغنائم لأهلها ، وجرت فيها سهام اللّه ورسوله ، قيل : لا حاجة لنا في دمائكم ، ولا في نسائكم وذراريّكم . فأوحى اللّه سبحانه إلى قلوبهم التوبة والإنابة ، فجاءوا مسلمين ، فقيل : إن من شكران إسلامكم ، وإتيانكم ، أن ردّ عليكم نساءكم وأبناءكم وسبيكم
إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ، وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
[ الأنفال : 70 ] . ومنها : أن اللّه سبحانه افتتح غزوات العرب بغزوة بدر ، وختم غزوهم بغزوة حنين ، ولهذا ، يقرن بين هاتين الغزاتين بالذكر ، فيقال : بدر وحنين ، وإن كان بينهما سبع سنين ، والملائكة قاتلت بأنفسها مع المسلمين في هاتين الغزاتين ، والنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم رمى في وجوه المشركين بالحصباء فيها ، وبهاتين الغزاتين طفئت جمرة العرب لغزو رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم والمسلمين ، فالأولى خوفتهم وكسرت من خدتهم ، والثانية استفرغت قواهم ، واستنفدت سهامهم ، وأذلت جميعهم ، حتى لم يجدوا بدا من الدخول في دين اللّه . ومنها : أن اللّه سبحانه جبر بها أهل مكة ، وفرحهم بما نالوه من النصر والمغنم ، وكانت كالدواء لما نالهم من كسرهم ، وإن كان عين جبرهم ، وعرفهم تمام نعمه عليهم ، بما صرف عنهم من شر هوازن ، فإنه لم يكن لهم بهم طاقة ، وإنما نصروا عليهم بالمسلمين ، ولو أفردوا عنهم لأكلهم عدوّهم . إلى غير ذلك من الحكم التي لا يحيط بها إلا اللّه تعالى . انتهى . الثالث - قال بعضهم : دلت الآية على أنه يجب الانقطاع إلى اللّه تعالى ، والاتكال عليه . ودل ما حكى في القصة على جواز ما ورد حسنه من جواز التأليف ، وملاطفة المؤمنين والرمي بالحصا حالة الحرب ، والأصوات التي يرهب بها . انتهى . ولابن القيم في ( زاد المعاد ) فصول حسنة في فقه هذه الوقعة . فلينظر .
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 373 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود