تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 371

مساهمون:

ص٣٧١
ليرجعوا ، صدهم ازدحام الناس عن أن يثنوا رواحلهم ، فاستقاموا وتناولوا سيوفهم وتراسهم ، واقتحموا عن الرواحل راجعين إلى النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، وقد اجتمع منهم حواليه نحو المائة ، فاستقبلوا هوازن ، والناس متلاحقون ، واشتد الحرب ، وحمي الوطيس . ولما غشوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم نزل عن بغلته ، ثم قبض قبضة من تراب الأرض ، ثم استقبل به وجوههم وقال : شاهت الوجوه ! فما بقي إنسان منهم إلا أصابه منها في عينيه وفمه ، ثم صدق المسلمون الحملة عليهم ، وقذف اللّه في قلوب هوازن الرعب . فلم يملكوا أنفسهم ، فولوا منهزمين ، ولحق آخر الناس ، وأسرى هوازن مغلولة بين يديه ، وغنم المسلمون عيالهم وأموالهم ، واستحرّ القتل في بني مالك من ثقيف ، فقتل منهم يومئذ سبعون رجلا ، وانحازت طوائف هوازن إلى أوطاس ، واتبعتهم طائفة من خيل المسلمين الذين توجهوا من ( نخلة ) ، فأدركوا فيهم دريد بن الصمة فقتلوه . وبعث صلّى اللّه عليه وسلّم إلى من اجتمع بأوطاس من هوازن ، أبا عامر الأشعري عمّ أبي موسى ، فقاتلهم ، وقتل بسهم رماه به سلمة بن دريد بن الصمة ، فأخذ أبو موسى الراية ، وشدّ على قاتل عمه ، فقتله ، وانهزم المشركون ، وانفضّت جموع أهل هوازن كلها ، واستشهد من المسلمين يومئذ أربعة . ثم جمعت إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سبايا حنين وأموالها ، فأمر بها ، فحبست ( بالجعرانة ) بنظر مسعود بن عمرو الغفاري . وسار صلّى اللّه عليه وسلّم من فوره إلى الطائف ، فحاصر بها ( ثقيف ) خمس عشرة ليلة ، وقاتلوا من وراء الحصون ، وأسلم من كان حولهم من الناس ، وجاءت وفودهم إليه . ثم انصرف صلّى اللّه عليه وسلّم عن الطائف ، ونزل الجعرانة فيمن معه من الناس وأتاه هناك وفد هوازن ، مسلمين راغبين ، فخيرهم بين العيال والأبناء والأموال ، فاختاروا العيال والأبناء ، وكلموا المسلمين في ذلك بأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فقال صلّى اللّه عليه وسلّم : ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم ، وقال المهاجرون والأنصار : ما كان لنا فهو لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ومن لم تطب نفسه عوّضه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عن نصيبه ، ورد عليهم نساءهم وأبناءهم بأجمعهم . وكان عدد سبي هوازن ستة آلاف بين ذكر وأنثى ، والإبل أربعة وعشرون ألفا ، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة ، وأربعة آلاف أوقية فضة ، وقسم صلّى اللّه عليه وسلّم الأموال بين المسلمين ، ونقل كثيرا من الطلقاء ( وهم الذين منّ عليهم النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم بالإطلاق يوم فتح مكة من الأسر ونحوه ) يتألفهم على الإسلام ، مائة من الإبل ، ومنهم مالك بن عوف النصريّ . فقال حين أسلم :
ما إن رأيت ولا سمعت بمثله * في الناس كلهم بمثل محمد
أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدى * ومتى يشأ يخبرك عما في غد