تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 223

مساهمون:

ص٢٢٣
مال إلى الدنيا ، ورغب فيها
وَاتَّبَعَ هَواهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ
وذلك لأنه استوى في حقه إيتاء الآيات ، والتكليف بها ، والتعظيم من أجلها ، وعدم ذلك . كالكلب يدلع لسانه بكل حال ، إن تحمل عليه ، أي تشدّ عليه وتهيجه ، أو تتركه غير متعرض له بالحمل عليه ، فلهثه موجود في الحالتين جميعا
ذلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا
أي من التوراة أو غيرها
فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
.

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 177 ]

ساءَ مَثَلاً الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ ( 177 )
ساءَ مَثَلًا
أي ما مثل به
الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا
أي حيث شبهوا بالكلاب ، إما في استواء الحالتين في النقصان ، وأنهم ضالون ، وعظوا أم لم يوعظوا كما قدمنا . وإما في الخسة ، فإن الكلاب لا همة لها إلا في تحصيل أكلة أو شهوة ، فمن خرج عن حيز الهدى والعلم ، وأقبل على هواه ، صار شبيها بالكلب ، وبئس المثل مثله . ولهذا ثبت في الصحيح عنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال « 1 » : ليس لنا مثل السوء . العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه .
وَأَنْفُسَهُمْ كانُوا يَظْلِمُونَ
اعلم أن من السلف من ذهب إلى أن هذه الآية مثل ضربه اللّه لمن عرض عليه الإيمان فأبى أن يقبله وتركه ، وهو قول قتادة وعكرمة واختاره أبو مسلم ، حيث قال : قوله
آتَيْناهُ آياتِنا
أي بيناها ، فلم يقبل ، وعرى منها . وسواء قولك : انسلخ وعرى وتباعد . وهذا يقع على كافر لم يؤمن بالأدلة ، وأقام على الكفر . قال : ونظيره قوله تعالى :
يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ
[ النساء : 47 ] ، وقال في حق فرعون :
وَلَقَدْ أَرَيْناهُ آياتِنا كُلَّها فَكَذَّبَ وَأَبى
[ طه : 56 ] . ومنهم من ذهب إلى أن الموصول فيها أريد به معيّن ، فروي عن عبد اللّه بن عمر وسعيد بن المسيب وزيد ابن أسلم وأبي روق أنه أمية بن أبي الصلت ، فإنه كان قد قرأ الكتب ، وعلم أن اللّه مرسل رسولا في ذلك الوقت ، ورجا أن يكون هو ، فلما أرسل اللّه محمدا عليه الصلاة والسلام ، حسده ، ثم مات كافرا ، ولم يؤمن بالنبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم . وهو الذي قال فيه رسول
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في : الهبة ، 30 - باب لا يحل لأحد أن يرجع في هبته وصدقته ، حديث رقم 1264 عن ابن عباس . وأخرجه مسلم في : الهبات ، حديث 5 - 8 .
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 223 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود