تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 202

مساهمون:

ص٢٠٢
أرسله أنا إليكم من الأب روح الحق الذي من الأب ينشق ، وهو يشهد لأجلي ، وأنتم تشهدون لأنكم معي من الابتداء ) . وفي الباب السادس عشر منه : ( لكني أقول لكم الحق ، إنه خير لكم أن أنطلق لأني إن لم أنطلق ، لم يأتكم الفارقليط . فأما إن انطلقت أرسلته إليكم ، فإذ جاء ذاك ، فهو يوبخ العالم على خطيئة ، وعلى بر ، وعلى حكم . أما على الخطيئة فلأنهم لم يؤمنوا بي . وأما على البر فلأني منطلق إلى الأب ، ولستم ترونني بعد . وأما على الحكم ، فإن رئيس هذا العالم قد دين . وإن لي كلاما كثيرا أقوله لكم ، ولكنكم لستم تطيقون حمله . وإذا جاء روح الحق ذاك ، فهو يعلمكم جميع الحق ، لأنه ليس ينطق من عنده ، بل يتكلم بكل ما يسمع ، ويخبركم بما سيأتي ، وهو يمجدني ، لأنه يأخذ مما هو لي ، ويخبركم جميع ما هو للأب ، فهو لي . من أجل هذا قلت ( إن مما هو لي يأخذ ويخبركم ) . ومن أمعن النظر في هذه العبارات ، ولاحظ ما اشتملت عليه من الفحاوى والإشارات جزم بأن ( الفارقليط ) هو محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فإنه هو الذي ظهر بعد عيسى عليه السلام ، وشهد لعيسى بالنبوة والرسالة ، ومجده وبرأه مما افتراه عليه النصارى من دعوى الربوبية ، ومما افتراه عليه اليهود من كونه ساحرا كذابا ، وعلى والدته من كونها غير طاهرة الذيل ، بريئة الساحة ، وهو الذي وبخ العالم ، سيما اليهود ، على الخطايا ، لا سيما خطيئة الكفر بعيسى عليه السلام ، والطعن في والدته الطاهرة البتول ، وهو الأمين الصادق ، الذي علم جميع الحقائق ، وهو الذي أبان من الأسرار ما لم تطق تحمله قبل مجيئه الأفكار ، وهو الذي ، لا ينطق عن الهوى ،
إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى ، عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى
[ النجم : 3 ] . وفسر العلامة ابن قتيبة ( روح الحق الذي من الأب ينبثق ) أي يصدر بكلام اللّه المنزل ، وأستدل بقوله تعالى
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا
[ الشورى : 52 ] ، والمراد به هنا القرآن الكريم ، لأنه هو الذي يشهد للمسيح بالنبوة والنزهة ، عما افترى عليه ، وبأنه روح اللّه وكلمته وصفيه ورسوله ، كما شهد الحواريون الذين كانوا معه ، واهتدوا بهديه . ولم يثبت شهادة كتاب غير القرآن بذلك ، فتعيّن أن يكون هو المراد . وفي قول عيسى عليه السلام ( إنه خير لكم أن أنطلق لأني إن لم أنطلق لم يأتكم الفارقليط إشارة إلى أن نبينا عليه الصلاة والسلام أفضل . ولفظ ( فارقليط ) يوناني الأصل ، قيل : أصله باراكلي طوس ، بمعنى كان لسان