تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١
باسمي ، أنا أطالبه . إلى كون هذا النبيّ مأمورا بجهاد من كفر بما جاء به من عند اللّه ، والانتقام منه بسيفه البتّار . وزعمت النصارى أن الانتقام هنا بمعنى العذاب الأخرويّ لمنكريه ، وهو خطأ ، لأن ذلك لا يختص بهذا النبيّ ، بل كل من أنكر ما جاء به نبيّ من الأنبياء ينتقم منه في الآخرة ، فلا معنى لتخصيص هذا النبيّ بالذكر حينئذ . 3 - كون شريعتهما مشتملة على الحدود والقصاص والتعزير وإيجاب الغسل على الجنب والحائض والنفساء ، وإيجاب الطهارة وقت العبادة ، وهذه كلها ليست موجودة في شريعة عيسى عليه السلام - على ما تقول النصارى - ونظائر ذلك كثيرة . وفي هذه البشارة إشارة إلى كون هذا النبيّ أميّا لا يقرأ ، حيث قال ( يسمع لكلامي الذي يتكلم به باسمي ) وبذلك تعرف سر وصفه به في قوله تعالى :
الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ . . .
الآية التي نحن في صددها . ومنها - في الباب الرابع عشر من إنجيل يوحنا هكذا : ( إن كنتم تحبوني فاحفظوا وصاياي ، وأنا أطلب من الأب فيعطيكم فارقليط آخر ليثبت معكم إلا الأبد ، روح الحق الذي لن يطيق العالم أن يقبله لأنه ليس يراه ، ولا يعرفه . وأنتم تعرفونه ، لأنه مقيم عندكم ، وهو ثابت فيكم ) . وهذه بشارة من المسيح عليه السلام بأن اللّه تعالى سيبعث للناس من يقوم مقامه ، وينوب في تبليغ رسالته ، وسياسة خلقه ، منابه ، وتكون شريعته باقية مخلدة أبدا ، وهل هذا إلا محمد صلّى اللّه عليه وسلّم . و ( الأب ) هنا بمعنى الرب والإله ، لأنه اصطلاح أهل الكتابين . وقد أشار عيسى عليه السلام بكونه ( روح الحق ) إلى أن الحق قبل مبعثه ، يكون كالميت لا حراك له ، ولا انتعاش ، وأنه إذا بعث يكون كالروح له ، فيرجع حينئذ قائما في الأرض . ولا خفاء أنه عليه الصلاة والسلام ، هو الذي أحيى اللّه به الحق بعد عيسى عليه السلام بعد ما اندرس ، ولم يبق فيه نفس . ثم قال : ( الفارقليط روح القدس الذي يرسله الأب باسمي هو يعلمكم كل شيء وهو يذكركم كل ما قلته لكم ) . ولا شك بأن محمدا صلّى اللّه عليه وسلم هو الذي علم كل شيء من الحقائق ، وأوضح ما خفي من الدقائق ، وذكّر أمة عيسى ما نسوه من أقواله المتضمنة أنه عبد من عباد اللّه تعالى ، قربه إليه بالرسالة واصطفاه ، وأنه لم يدع لسوى عبادة اللّه وتوحيده ، وتنزيهه وتمجيده . وقوله ( باسمي ) أي بالنبوة . ثم أبان لهم سبب إخبارهم به قبل أن يأتي فقال : ( والآن قد قلت لكم قبل أن يكون . حتى إذا كان ، تؤمنون ) . وفي الباب الخامس عشر من الإنجيل المذكور : ( فأما إذا جاء الفارقليط الذي