تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 159

مساهمون:

ص١٥٩

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأعراف ( 7 ) : آية 99 ]

أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ ( 99 )
أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ
وهو أخذه العبد من حيث لا يحتسب
فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ
أي لا يأمن أحد أخذه تعالى العبد من حيث لا يشعر ، مع كثرة ما رأى من أخذه العباد من حيث لا يحتسبون ، إلا القوم الذي خسروا عقولهم ، وأضاعوا فطرة اللّه التي فطر الناس عليها ، والاستعداد القريب المستفاد من النظر في الآيات ، فصاروا خاسرين إنسانيتهم ، بل أخسّ من البهائم . وفي قوله تعالى :
أَ فَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ
تكرير للنكير في قوله :
أَ فَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرى
لزيادة التقرير . قال الزمخشري : فعلى العاقل أن يكون في خوف من مكر اللّه ، كالمحارب الذي يخاف من عدوّه الكمين ، والبيات ، والغيلة . وعن الربيع بن خثيم أن ابنته قالت : ما لي أرى الناس ينامون ولا أراك تنام ؟ فقال : يا بنتاه ! إن أباك يخاف البيات . أراد قوله :
أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنا بَياتاً
- انتهى - . وقال الحسن البصري : المؤمن يعمل بالطاعات وهو مشفق ، وجل خائف . والفاجر يعمل بالمعاصي وهو آمن .

تنبيه :

الأمن من مكر اللّه كبيرة عند الشافعية ، وهو الاسترسال في المعاصي ، اتكالا على عفو اللّه - كما في جمع الجوامع - . وقال الحنفية : إنه كفر كاليأس ، لقوله تعالى :
إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكافِرُونَ
[ يوسف : 87 ] ،
فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ
. واستدل الشافعية بحديث ابن مسعود رضي اللّه عنه ( من الكبائر الأمن من مكر اللّه ) . وما ورد من أنه كفر ، محمول على التغليظ . كذا في ( العناية ) . و روى ابن أبي حاتم والبزار عن ابن عباس رضي اللّه عنهما ، أنه صلّى اللّه عليه وسلّم سئل : « ما الكبائر ؟ فقال : الشّرك باللّه ، والإياس من روح اللّه ، والأمن من مكر اللّه . قال بعضهم : والأشبه أن يكون موقوفا » . قال ابن حجر : وبكونه أكبر الكبائر ، صرح ابن مسعود : كما رواه عنه عبد الرزاق والطبراني .