وَقالَ أَوْلِياؤُهُمْ
أي : الذين أطاعوهم وتولوهم
مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنا بِبَعْضٍ
قال الحسن : ما كان استمتاع بعضهم ببعض إلا أن الجن أمرت ، وعملت الإنس . أي : فالجن نالت التعظيم منهم فعبدت ، والإنس بوسوستهم تمتعوا بإيثار الشهوات الحاضرة ، على اللذات الغائبة
وَبَلَغْنا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنا
أي : بالموت ، أو بالمعاد الجسماني على أقبح صورة ، وأسوأ عيش .
قال أبو السعود : قالوه اعترافا بما فعلوا من طاعة الشياطين ، واتباع الهوى ، وتكذيب البعث ، وإظهارا للندامة عليها ، وتحسرا على حالهم ، واستسلاما لربهم .
ولعل الاقتصار على حكاية كلام الضالين ، للإيذان بأن المضلين قد أفحموا بالمرة فلم يقدروا على التكلم أصلا .
قالَ النَّارُ مَثْواكُمْ
أي : منزلكم ، كما أن دار السلام مثوى المؤمنين .
خالِدِينَ فِيها إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ
قال القاشاني : أي إلّا وقت مشيئته أن تخفف ، أو ينجي منكم من لا يكون سبب تعذيبه شركا راسخا في اعتقاده .
وقال المهايمي : أي إلّا وقت مشيئته أن ينقلكم منها إلى الزمهرير ، انتقالكم من شهوة إلى أخرى .
وقال الزمخشري : أي يخلدون في عذاب النار ، الأبد كلّه ، إلا الأوقات التي ينقلون فيها من عذاب النار ، إلى عذاب الزمهرير .
فقد روي أنهم يدخلون واديا فيه من الزمهرير ما يميز بعض أوصالهم من بعض ، فيتعاوون ويطلبون الرد إلى الجحيم
. أو يكون من قول الموتور الذي ظفر بواتره ، ولم يزل يحرق عليه أنيابه ، وقد طلب إليه أن ينفس عن خناقه : أهلكني اللّه إن نفست عنك إلا إذا شئت . وقد علم أنه لا يشاء إلا التشفي منه بأقصى ما يقدر عليه من التعنيف والتشديد . فيكون قوله ( إلا إذا شئت ) من أشد الوعيد ، مع تهكم بالموعد ، لخروجه في صورة الاستثناء الذي فيه إطماع .
انتهى .
قال الخفاجيّ : لما كان الخطاب للكفرة ، وهم لا يخرجون من النار ، لأن ما قبله بيان حالهم ، فيبعد جعله شاملا للعصاة ، ليصح الاستثناء باعتباره ، مع أن استعمال ( ما ) للعقلاء قليل - وجّهوه بأن المراد النقل من النار إلى الزمهرير ، أو المبالغة في الخلود ، بمعنى أنه لا ينتفي إلا وقت مشيئة اللّه ، وهو مما لا يكون مع إبرازه في صورة الخروج وإطماعهم في ذلك تهكما وتشديدا للأمر عليهم . و ( ما ) مصدرية وقتية . أو إن المستثنى زمان إمهالهم قبل الدخول .