لأنواع العذاب في الشدة ، تعدّ ليس من جنس العذاب ، وخارجة عنه . والشيء إذا بلغ الغاية عندهم عبروا عنه بالضد ، كما تقدم في التعبير عن كثرة الفعل ب ( ربّ ) و ( قد ) ، وهما موضوعان لضد الكثرة من القلة ، وذلك أمر يعتاد في لغة العرب . وقد حام أبو الطيب حوله فقال :
لقد جدت حتى كاد يبخل حاتم * للمنتهى ومن السرور بكاء
فكأنّ هؤلاء إذا نقلوا إلى غاية العذاب ، ونهاية الشدة ، فقد وصلوا إلى الحد الذي يكاد أن يخرج من اسم العذاب المطلق ، حتى يسوغ معاملته في التعبير بمعاملة المغاير . وهو وجه حسن لا يكاد يفهم من كلام الزجاج إلا بعد هذا البسط .
وفي تفسير ابن عباس رضي اللّه عنه ما يؤيده . انتهى .
وفي الآية تأويلات أخر :
منها : ما نقل عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما أنه تعالى استثنى قوما قد سبق علمه أنهم يسلمون ويصدقون النبيّ صلى اللّه عليه وسلم . وهذا مبني على أن الاستثناء ليس من المحكيّ ، وأن ( ما ) بمعنى ( من ) .
ومنها : أنهم يفتح لهم أبواب الجنة ، ويخرجون من النار ، فإذا توجهوا للدخول أغلقت في وجوههم استهزاء بهم . وهو معنى قوله :
فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ
[ المطففين : 34 ] . قال الشريف المرتضى في ( الدرر ) : فإن قيل : أي فائدة في هذا الفعل ، وما وجه الحكمة فيه ؟ قلنا : وجه الحكمة فيه ظاهر ، لأن ذلك أغلظ على نفوسهم ، وأعظم في مكروههم ، وهو ضرب من العقاب الذي يستحقونه بأفعالهم القبيحة . لأن من طمع في النجاة والخلاص من المكروه ، واشتد حرصه على ذلك ، ثم حيل بينه وبين الفرج ، وردّ إلى المكروه ، يكون عذابه أصعب وأغلظ من عذاب من لا طريق للطمع عليه - كذا في العناية - .
ومنها : أن هذا الاستثناء إشارة إلى فناء النار . أي : إلا وقت مشيئته فناءها ، وزوال عذابها .
قال السيوطي في ( الدر المنثور ) : أخرج ابن المنذر عن الحسن قال : قال عمر رضي اللّه عنه : لو لبث أهل النار في النار ، كقدر رمل عالج ، لكان لهم يوم على ذلك يخرجون فيه . وأخرجه عبد بن حميد عن الحسن أيضا .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه اللّه تعالى : ونقل هذا عن عمر وابن مسعود وأبي هريرة وأبي سعيد وغيرهم . انتهى .