تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 487

مساهمون:

ص٤٨٧

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 125 ]

فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ( 125 )
فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ
أي : للتوحيد
يَشْرَحْ
أي : يوسع
صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ
بتصقيله بنور الهداية ، فيقبل نور الحق ، كما قال تعالى :
وَلكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ
[ الحجرات : 7 ] . روى عبد الرزاق أن النبيّ صلى اللّه عليه وسلم سئل عن هذه الآية : كيف يشرح صدره ؟ قال : نور يقذف فيه فينشرح له وينفسح . قالوا : فهل لذلك من أمارة يعرف بها ؟ قال : الإنابة إلى دار الخلود ، والتجافي عن دار الغرور ، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت . ورواه ابن جرير وابن أبي حاتم . قال ابن كثير : وللحديث طرق مرسلة ومتصلة يشد بعضها بعضا .
وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً
أي : شديد الضيق ، فلا يتسع للاعتقادات الصائبة في اللّه ، والأمور الأخروية . قال أبو البقاء : حرجا ( بكسر الراء ) صفة ل ( ضيّقا ) ، أو مفعول ثالث ، كما جاز في المبتدأ أن تخبر عنه بعدة أخبار . أو يكون الجميع في موضع خبر واحد ، ك ( حلو حامض ) . وعلى كل تقدير ، هو مؤكد للمعنى . ويقرأ بفتح الراء ، على أنه مصدر . أي : ذا حرج . وقيل : هو جمع حرجة ، مثل قصبة وقصب ، والهاء فيه للمبالغة . انتهى . وقوله تعالى
كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ
أي : يتكلف الصعود في جهة السماء ، وطبعه يهبط إلى الأرض ، فشبه ، للمبالغة في ضيق صدره ، بمن يزاول أمرا غير ممكن . لأن صعود السماء مثل فيما يمتنع ويبعد من الاستطاعة ، وتضيق عنه المقدرة . وقيل : معناه كأنما يتصاعد إلى السماء نبوّا عن الحق ، وتباعدا في الهرب منه . وأصل ( يصّعّد ) يتصعد من ( الصعود ) .
كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ
في الاعتقادات والأخلاق . والرجس ما استقذر من العمل ، وسمي بذلك مبالغة في ذمه .