القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 113 ]
وَلِتَصْغى إِلَيْهِ أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَلِيَرْضَوْهُ وَلِيَقْتَرِفُوا ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ ( 113 )
وَلِتَصْغى إِلَيْهِ
أي : يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول ، ليغرّهم به ، ولتميل إليه
أَفْئِدَةُ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ
لمساعدته لهم على أهوائهم ،
وَلِيَرْضَوْهُ
أي : لأنفسهم بعد ما مالت إليه قلوبهم ،
وَلِيَقْتَرِفُوا
أي : وليكتسبوا بموجب ارتضائهم له ،
ما هُمْ مُقْتَرِفُونَ
أي : من الآثام .
قال القاشاني : فتقوى غوايتهم ، ويتظاهرون ، ويخرج ما فيهم من الشرور إلى الفعل ، ويزدادوا طغيانا وتعديا على النبيّ ، فتزداد قوة كماله ، وتهيج أيضا بسببه دواعي المؤمنين ، والذين في استعدادهم مناسبة للنبيّ ، فتنبعث حميتهم ، وتزداد محبتهم للنبيّ ، ونصرهم إياه ، فتظهر عليهم كمالاتهم .
لطيفة :
إنما خص بالذكر عدم إيمانهم بالآخرة ، دون ما عداها من الأمور التي يجب الإيمان بها ، وهم بها كافرون ، إشعارا بما هو المدار في صغو أفئدتهم إلى ما يلقى إليهم ، فإن لذات الآخرة محفوفة في هذه النشأة بالمكاره ، وآلامها مزينة بالشهوات ، فالذين لا يؤمنون بها ، وبأحوال ما فيها ، لا يدرون أن وراء تلك المكاره لذات ، ودون هذه الشهوات آلاما ، وإنما ينظرون إلى ما بدا لهم في الدنيا بادئ الرأي ، فهم مضطرون إلى حب الشهوات ، التي من جملتها مزخرفات الأقاويل ، ومموّهات الأباطيل . وأما المؤمنون بها ، فحيث كانوا واقفين على حقيقة الحال ، ناظرين إلى عواقب الأمور ، لم يتصور منهم الميل إلى تلك المزخرفات ، لعلمهم ببطلانها ، ووخامة عاقبتها - أفاده أبو السعود - .
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 114 ]
أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتابَ مُفَصَّلاً وَالَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ( 114 )
وقوله تعالى :
أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَماً
على تقدير القول ، كما في نظائره ، أي :
قل لهم : أفغير اللّه أطلب من يحكم بيني وبينكم ، ويفصل المحق منّا من المبطل .