تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 470

مساهمون:

ص٤٧٠
وللمعتزلة تحيل في المدافعة بحمل المشيئة المنفية ، على مشيئة القسر والاضطرار . وإنما يتم لهم ذلك أن لو كان القرآن يتبع الآراء . وأما وهو القدوة والمتبوع ، فما خالفه حينئذ وتزحزح عنه ، فإلى النار ، وما بعد الحق إلا الضلال . ثم سلّى تعالى نبيه عما كان يقاسيه من قومه ، بتأسيه بمن سبقه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فقال سبحانه :

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 112 ]

وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ ( 112 )
وَكَذلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ
أي : مثل ذلك الجعل الذي جعلناه في حقك ، حيث جعلنا لك عدوّا يضادونك ولا يؤمنون ، جعلنا لكل نبيّ تقدمك عدوّا من مردة الإنس والجن ، فعلوا بهم ما فعل بك أعداؤك ، كما قال تعالى :
ما يُقالُ لَكَ إِلَّا ما قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ
[ فصلت : 43 ] . وقال ورقة بن نوفل للنبيّ صلى اللّه عليه وسلم « 1 » : لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي .
يُوحِي
أي : يلقي ويوسوس
بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ
أي : المموه منه ، المزين ظاهره ، الباطل باطنه ،
غُرُوراً
أي : للضعفاء ، لأن اللّه تعالى جعلهم أهل الحجاب ، وكذا الغارّين ، ليقهرهم بمقتضى استعدادهم . وفي الآية دليل على أن عداوة الكفرة للأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، بفعل اللّه سبحانه وتعالى ، وخلقه . قال المهايمي : لتظهر الحجج بمجادلتهم ، وترتفع شبهاتهم ، ولئلا يقال إنه شخص ساعده الكلّ ليأكلوا أموال الناس ، أو يتواسوا عليهم .
وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ ما فَعَلُوهُ
أي : ما فعلوا ذلك ، يعني : معاداة الأنبياء ، وإيحاء الزخارف . وهو أيضا دليل على المعتزلة .
فَذَرْهُمْ وَما يَفْتَرُونَ
أي : من الكفر ، فسوف يعلمون . ثم عطف على قوله
غُرُوراً
علة ثانية للإيحاء بقوله تعالى :
هامش
( 1 ) أخرجه البخاريّ في : بدء الوحي ، 1 - حدثنا عبد الله بن يوسف . روته سيدتنا عائشة أم المؤمنين رضي اللّه عنها .
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 470 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود