تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 469

مساهمون:

ص٤٦٩
ثم بين تعالى كذبهم في أيمانهم الفاجرة على أبلغ وجه وآكده بقوله :

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 111 ]

وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى وَحَشَرْنا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلاً ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلاَّ أَنْ يَشاءَ اللَّهُ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ ( 111 )
وَلَوْ أَنَّنا نَزَّلْنا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ
أي : ولو أننا لم نقتصر على إيتاء ما اقترحوه هنا من آية واحدة ، بل نزلنا إليهم الملائكة ، كما قالوا
لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ
[ الفرقان : 21 ] .
وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتى
كما قالوا
فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
[ الدخان : 36 ] .
وَحَشَرْنا
أي : جمعنا
عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ
من الحيوانات والنباتات والجمادات ،
قُبُلًا
أي : كفلاء بصحة ما بشروا به وأنذروا
ما كانُوا لِيُؤْمِنُوا
لغلوهم في التمرد والطغيان ،
إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
أي : إيمانهم فيؤمنوا ،
وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ
أي : إنهم لو أوتوا كل آية لم يؤمنوا ، فيقسمون باللّه جهد أيمانهم على ما لا يكاد يكون . أو يجهلون أن الإيمان بمشيئة اللّه لا بخوارق العادات . قال القاشاني : وفي الحقيقة لا اعتبار بالإيمان المرتب على مشاهدة خوارق العادات ، فإنه ربما كان مجرد إذعان لأمر محسوس ، وإقرار باللسان ، وليس في القلب من معناه شيء ، كإيمان أصحاب السامريّ . والإيمان لا يكون إلا بالجنان ، كما قال تعالى :
قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا ، قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ
[ الحجرات : 14 ] .

تنبيهان :

الأول - يقرأ ( قبلا ) بضم القاف والباء ، وفيه وجهان : أحدهما : هو جمع قبيل بمعنى الكفيل ، مثل قليب وقلب ؛ والآخر : أنه مفرد ، كقبل الإنسان ودبره . وعلى كلا الوجهين هو حال من كلّ . ويقرأ بالضم وسكون الباء على تخفيف الضمة ويقرأ بكسر القاف وفتح الباء ، وانتصابه على الظرفية . كقولهم : لي قبل فلان حق . أو على الحالية ، وهو مصدر ، أي عيانا ومشاهدة . الثاني - في قوله تعالى :
إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
حجة واضحة على المعتزلة ، لدلالته على أن جميع الأشياء بمشيئة اللّه تعالى ، حتى الإيمان والكفر . وقد اتفق سلف هذه الأمة ، وحملة شريعتها على أنه ما شاء اللّه كان ، وما لم يشأ لم يكن .