تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 360

مساهمون:

ص٣٦٠

لطيفة :

إن قلت : قد أسند تعالى هنا التزيين إلى الشيطان ، وأسنده إلى نفسه في قوله :
كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ
[ الأنعام : 108 ] . فهل هو حقيقة فيهما . أو في أحدهما ؟ قلت : وقع التزيين في مواقع كثيرة : فتارة أسنده إلى الشيطان ، كالآية الأولى ، وتارة إلى نفسه كالثانية ، وتارة إلى البشر كقوله
زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكاؤُهُمْ
[ الأنعام : 137 ] . - في قراءة - وتارة مجهولا غير مذكور فاعله كقوله
زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ
[ يونس : 12 ] ، لأن التزيين له معان يشهد بها الاستعمال واللغة : أحدها : إيجاد الشيء حسنا مزينا في نفس الأمر ، كقوله تعالى :
زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا *
، والثاني : جعله مزينا من غير إيجاد ، كتزيين الماشطة العروس ، والثالث : جعله محبوبا للنفس ، مشتهى للطبع ، وإن لم يكن في نفسه كذلك . فهذا إن كان بمعنى خلق الميل في النفس والطبع لا يسند إلا إلى اللّه ، لأنه الفاعل له حقيقة ، لإيجاده له ، ولغة ونحوا لاتصافه بخلقه . وإن كان بمجرد تزويره وترويجه بالقول وما يشبهه ، كالوسوسة والإغواء ، فهذا لا يسند إليه تعالى حقيقة ، وإنما يسند إلى البشر أو الشيطان ، وإذا لم يذكر فاعله ، يقدّر في كل مكان ما يليق به - كذا في ( العناية ) - .

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 44 ]

فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ ( 44 )
فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ
أي : من البأساء والضراء ، أي تركوا الاتعاظ به
فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ
أي : من النعم ، كالصحة والسعة وراحة البال والأمن ، وصنوف رغائبهم ، استدراجا وإملاء ومكرا بهم ، عياذا باللّه من مكره ،
حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا
من مطالبهم ورغائبهم ، مع الشرك
أَخَذْناهُمْ
أي : بالعذاب المستأصل ،
بَغْتَةً
أي : فجأة بلا تقديم مذكّر ، إذ لم يفدهم في المرة الأولى ،
فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ
متحسرون ، يئسون من كل خير .

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 45 ]

فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 45 )
فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا
أي : آخرهم . كناية عن الاستئصال ، لأن ذهاب