لصادق ، ولكننا نكذب ما جئتنا به .
قال أبو السعود : وكأن صدق المخبر عند الخبيث ، بمطابقة خبره لاعتقاده .
والأول هو الذي تستدعيه الجزالة التنزيلية . وقرئ
لا يُكَذِّبُونَكَ
من ( أكذبه ) .
بمعنى وجده كاذبا ، أو نسبه إلى الكذب ، أو بيّن كذبه ، وقال : أكذبه وكذبه بمعنى - كذا في القاموس وشرحه - .
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 34 ]
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ ( 34 )
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ
افتنان في تسليته عليه الصلاة والسلام ، فإن عموم البلية ربما يهون أمرها بعض تهوين . وإرشاد له صلى اللّه عليه وسلم إلى الاقتداء بمن قبله من الرسل الكرام ، في الصبر على ما أصابهم من أممهم ، من فنون الأذية . وعدة ضمنية له صلى اللّه عليه وسلم بمثل ما منحوه من النصر . وتصدير الكلام بالقسم ، لتأكيد التسلية . وتنوين ( رسل ) للتفخيم والتكثير - أفاده أبو السعود - .
قال الزمخشري : في قوله تعالى :
وَلَقَدْ كُذِّبَتْ
دليل على أن قوله :
فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ
ليس بنفي لتكذيبه ، وإنما هو من قولك لغلامك : ما أهانوك ، ولكنهم أهانوني ! انتهى .
وناقشه الناصر في ( الانتصاف ) بأنه لا دلالة فيه ، لأنه مؤتلف مع نفي التكذيب أيضا ، وموقعه حينئذ من الفضيلة أبين . أي : هؤلاء لم يكذبوك ، فحقك أن تصبر عليهم ، ولا يحزنك أمرهم . وإذا كان من قبلك من الأنبياء قد كذبهم قومهم ، فصبروا عليهم ، وأنت إذ لم يكذبوك أجدر بالصبر . فقد ائتلف ، كما ترى ، بالتفسيرين جميعا . ولكنه من غير الوجه الذي استدل به ، فيه تقريب لما اختاره ، وذلك أن مثل هذه التسلية قد وردت مصرحا بها في نحو قوله تعالى :
وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ
فسلّاه عن تكذيبهم له ، بتكذيب غيرهم من الأمم لأنبيائهم . وما هو إلا تفسير حسن مطابق للواقع ، مؤيد بالنظائر - واللّه أعلم - .
فَصَبَرُوا عَلى ما كُذِّبُوا وَأُوذُوا
أي على تكذيبهم وإيذائهم ، فتأسّ بهم
حَتَّى أَتاهُمْ نَصْرُنا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ
أي : لمواعيده ، من قوله :
وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنا لِعِبادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ
[ الصافات : 171 - 172 ] ، وقوله