تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠
شاهدوا من البينات التي تخرّ لها صمّ الجبال ،
لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ
أي : خارق ، على مقتضى ما كانوا يريدون ومما يتعنتون . كقولهم
وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً . . .
[ الإسراء : 90 ] . الآيات .
قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ
أي : إن اقتراحها جهل ، لما أن في تنزيلها قلعا لأساس التكليف ، المبني على قاعدة الاختيار . أو استئصالا لهم بالكلية ، فإن من لوازم جحد الآية الملجئة ، الهلاك ، جريا على سنته تعالى في الأمم السالفة . وتخصيص عدم العلم بأكثرهم ، لما أن بعضهم واقفون على حقيقة الحال ، وإنما يفعلون ما يفعلون مكابرة وعنادا .

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة الأنعام ( 6 ) : آية 38 ]

وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ ( 38 )
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ
أي : مستقرة فيها ، لا ترتفع عنها
وَلا طائِرٍ
يرتفع عنها إذ
يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ
أي : أصناف مصنفة في ضبط أحوالها ، وعدم إهمال شيء منها ، وتدبير شؤونها ، وتقدير أرزاقها .
ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ
أي : ما تركنا ، وما أغفلنا ، في لوح القضاء المحفوظ ،
مِنْ شَيْءٍ
أي : جليل أو دقيق ، فإنه مشتمل على ما يجري في العالم ، لم يهمل فيه أمر شيء : والمعنى : أن الجميع علمهم عند اللّه ، لا ينسى واحدا منها من رزقه وتدبيره . كقوله :
وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّها وَمُسْتَوْدَعَها ، كُلٌّ فِي كِتابٍ مُبِينٍ
[ هود : 6 ] . أي : مفصح بأسمائها وأعدادها ومظانّها ، وحاصر لحركاتها وسكناتها .
ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ
يعني : الأمم كلها ، من الدوابّ والطير ، فينصف بعضهم من بعض ، حتى يبلغ من عدله أن يأخذ للجمّاء من القرناء . وإيراد ضميرها على صيغة جمع العقلاء . لإجرائها مجراهم .

تنبيهات :

الأول - قال الزمخشري : إن قلت : فما الغرض في ذكر ذلك ؟ قلت : الدلالة على عظم قدرته ، ولطف علمه ، وسعة سلطانه ، وتدبيره تلك الخلائق المتفاوتة الأجناس ، المتكاثرة الأصناف ، وهو حافظ لما لها وما عليها ، مهيمن على أحوالها ، لا يشغله شأن عن شأن ، وأن المكلفين ليسوا بمخصوصين بذلك دون من عداهم من سائر الحيوان .