تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦
والسلام بمكانة من اللّه عز وجل ، وأن ما يفعلونه في حقه فهو راجع إليه تعالى في الحقيقة ، وأنه ينتقم منهم أشد انتقام . وكلمة ( قد ) لتأكيد العلم بما ذكر ، المفيد لتأكيد الوعيد . وقوله تعالى :
فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
الفاء للتعليل ، لأن قوله تعالى :
قَدْ نَعْلَمُ
بمعنى لا تحزن ، كما يقال في مقام المنع والزجر : نعلم ما تفعل ! ووجّه التعليل في تسليته له صلى اللّه عليه وسلم بأن التكذيب في الحقيقة لي ، وأنا الحليم الصبور ، فتخلق بأخلاقي . قال أبو السعود : وهذا يفيد بلوغه عليه الصلاة والسلام في جلالة القدر ، ورفعة المحل ، والزلفى من اللّه عز وجل ، إلى حيث لا غاية وراءه ، حيث لم يقتصر على جعل تكذيبه عليه الصلاة والسلام تكذيبا لآياته سبحانه ، على طريقة قوله تعالى :
مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ
[ النساء : 80 ] ، بل نفي تكذيبهم عنه ، وأثبت لآياته تعالى على طريقة قوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ يُبايِعُونَكَ إِنَّما يُبايِعُونَ اللَّهَ
[ الفتح : 10 ] ، إيذانا بكمال القرب ، واضمحلال شؤونه عليه الصلاة والسلام في شأن اللّه عز وجل . وفيه استعظام لجنايتهم ، منبئ عن عظم عقوبتهم . وقيل : المعنى : فإنهم لا يكذبونك بقلوبهم ، ولكنهم يجحدون بألسنتهم ، عنادا أو مكابرة . ويعضده ما روى سفيان الثوريّ عن أبي إسحاق عن ناجية عن عليّ رضي اللّه عنه قال : قال أبو جهل للنبيّ صلى اللّه عليه وسلم : إنا لا نكذب ، ولكن نكذب بما جئت به ، فأنزل اللّه :
فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ
الآية - رواه الحاكم وصححه . وروى ابن جرير عن السدّي قال : لما كان يوم بدر ، خلا الأخنس بأبي جهل فقال : يا أبا الحكم ! أخبرني عن محمد ، أصادق هو أم كاذب ؟ فإنه ليس هاهنا من قريش غيري وغيرك يستمع كلامنا ، فقال أبو جهل : ويحك ! واللّه إن محمد لصادق ، وما كذب محمد قط ، ولكن إذا ذهبت بنو قصي باللواء والسقاية والحجابة والنبوة ، فماذا يكون لسائر قريش ؟ فذلك قوله :
فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ
فآيات اللّه محمد صلى اللّه عليه وسلم . قال الرازي : وهذا القول غير مستبعد ، ونظيره قوله تعالى في قصة موسى :
وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوًّا
[ النمل : 14 ] . وقيل : المعنى فإنهم لا يكذبونك لأنك عندهم الصادق الموسوم بالصدق ، ولكنهم يجحدون بآيات اللّه ، كما يروى أن أبا جهل كان يقول لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : ما نكذبك ، وإنك عندنا