تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 419

مساهمون:

ص٤١٩
ثم ذكر حكمة أخرى وهي اتخاذه سبحانه منهم شهداء بقوله
وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ
أي وليكرم ناسا منكم بالشهادة ليكونوا مثالا لغيرهم في تضحية النفس شهادة للحق ، واستماتة دونه ، وإعلاء لكلمته ، وهو تعالى يحب الشهداء من عباده ، وقد أعدّ لهم أعلى المنازل وأفضلها ، وقد اتخذهم لنفسه ، فلا بد أن ينيلهم درجة الشهادة . وفي لفظ ( الاتخاذ ) المنبئ عن الاصطفاء والتقريب ، من تشريفهم وتفخيم شأنهم ما لا يخفى وقوله
وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ
قال ابن القيّم : تنبيه لطيف الموقع جدا على أن كراهته وبغضه للمنافقين الذين انخزلوا عن نبيه يوم أحد فلم يشهدوه ، ولم يتخذ منهم شهداء ، لأنه لم يحبهم ، فأركسهم وردهم ليحرمهم ما خص به المؤمنون في ذلك اليوم ، وما أعطاه من استشهد منهم ، فثبط هؤلاء الظالمين عن الأسباب التي وفق لها أولياءه وحزبه . انتهى - . فالتعريض بالمنافقين . ويحتمل أن يكون بالكفرة الذين أديل لهم ، تنبيها على أن ذلك ليس بطريق النصرة لهم ، بل لما ذكر من الفوائد العائدة إلى المؤمنين . ثم ذكر حكمة أخرى فيما أصابهم ذلك اليوم بقوله :

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 141 ]

وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ ( 141 )
وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
أي لينقّيهم ويخلصهم من الذنوب ومن آفات النفوس . وأيضا فإنه خلصهم ومحصهم من المنافقين ، فتميزوا منهم . فحصل لهم تمحيصان : تمحيص من نفوسهم ، وتمحيص ممن كان يظهر أنه منهم وهو عدوّ . ثم ذكر حكمة أخرى وهي محق الكافرين بقوله
وَيَمْحَقَ الْكافِرِينَ
أي يهلكهم ، فإنهم إذا ظفروا بغوا وبطروا . فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم ، إذ جرت سنة اللّه تعالى ، إذا أراد أن يهلك أعداءه ويمحقهم ، قيّض لهم الأسباب التي يستوجبون بها هلاكهم ومحقهم . ومن أعظمها ، بعد كفرهم ، بغيهم وطغيانهم في أذى أوليائه ومحاربتهم وقتالهم والتسليط عليهم . والمحق ذهاب الشيء بالكلية حتى لا يرى منه شيء ، وقد محق اللّه الذي حاربوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوم أحد ، وأصرّوا على الكفر جميعا ، ثم أنكر تعالى عليهم حسبانهم وظنهم أنهم يدخلون الجنة بدون الجهاد في سبيله والصبر على أذى أعدائه ، وأن هذا ممتنع بحيث ينكر على من ظنه وحسبه فقال :