تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 417

مساهمون:

ص٤١٧

القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : آية 140 ]

إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَداءَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ( 140 )
إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ
بالفتح والضم قراءتان ، وهما لغتان ، كالضّعف والضّعف ، أي إن أصابكم يوم أحد جراح
فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ
أي يوم بدر ولم يضعفوا ولم يجبنوا فأنتم أولى ، لأنكم موعودون بالنصر دونهم ، أي فقد استويتم في الألم ، وتباينتم في الرجاء والثواب ، كما قال :
إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ
[ النساء : 104 ] . فما بالكم تهنون وتضعفون عند القرح والألم ، فقد أصابهم ذلك في سبيل الشيطان ، وأنتم أصبتم في سبيل اللّه ، وابتغاء مرضاته . وقيل : كلا المسّين كان يوم أحد ، فإن المسلمين نالوا منهم قبل أن يخالفوا أمر رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم
وَتِلْكَ الْأَيَّامُ
أي أيام هذه الحياة الدنيا
نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ
أي نصرفها بينهم ، نديل تارة لهؤلاء ، وتارة لهؤلاء . فهي عرض حاضر ، يقسمها بين أوليائه وأعدائه . بخلاف الآخرة ، فإن عرضها ونصرها ورجاءها خالص للذين آمنوا . قال ابن القيم قدس اللّه سره ( في ذكر بعض الحكم والغايات المحمودة التي كانت في وقعة أحد ) : ومنها أن حكمة اللّه وسنته في رسله وأتباعهم جرت بأن يدالوا مرة ويدال عليهم أخرى ، لكن تكون لهم العاقبة . فإنهم لو انتصروا دائما دخل معهم المسلمون وغيرهم ، ولم يميز الصادق من غيره . ولو انتصر عليهم دائما لم يحصل المقصود من البعثة والرسالة . فاقتضت حكمة اللّه أن جمع لهم بين الأمرين ليتميز من يتبعهم ويطيعهم للحق وما جاءوا به ، ممن يتبعهم على الظهور والغلبة خاصة - انتهى - وقوله تعالى :
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا
قال ابن القيم : حكمة أخرى وهي أن يتميز المؤمنون من المنافقين فيعلمهم علم رؤية ومشاهدة بعد أن كانوا معلومين في غيبه ، وذلك العلم الغيبيّ لا يترتب عليه ثواب ولا عقاب ، وإنما يترتبان على المعلوم إذا صار مشاهدا واقعا في الحس .

لطيفة :

في الآية وجهان : أحدهما : أن يكون المعلل محذوفا معناه :
وَلِيَعْلَمَ . .
إلخ فعلنا ذلك .
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 417 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود