الثاني : أن تكون العلة محذوفة وهذا عطف عليه معناه : وفعلنا ذلك ليكون كيت وكيت ، وليعلم اللّه . وإنما حذف للإيذان بأن المصلحة فيما فعل ليست بواحدة ليسليهم عما جرى عليهم وليبصّرهم أن العبد يسوؤه ما يجري عليه من المصائب ، ولا يشعر أن للّه في ذلك من المصالح ما هو غافل عنه - أفاده الزمخشري -
تنبيه :
في هذه الآية بحث مشهور ، وذلك بأن ظاهرها مشعر بأنه تعالى إنما فعل ذلك ليكتسب هذا العلم ، ومعلوم أن ذلك محال على اللّه تعالى ، ونظيرها في الإشكال قوله تعالى :
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ . .
[ آل عمران : 142 ] إلخ . وقوله :
وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ، فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكاذِبِينَ
[ العنكبوت : 3 ] وقوله :
لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى . .
[ الكهف : 12 ] وقوله :
وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَا أَخْبارَكُمْ
[ محمد : 31 ] . وقوله :
إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ
[ البقرة : 143 ] .
قال الرازيّ : وقد احتج هشام بن الحكم بظواهر هذه الآيات على أن اللّه تعالى لا يعلم حدوث الحوادث إلا عند وقوعها فقال : كل هذه الآيات دالة على أنه تعالى إنما صار عالما بحدوث هذه الأشياء عند حدوثها .
ولما كانت الدلائل القطعية دالة على أزلية علمه جل اسمه ، أجاب عن ذلك العلماء بأجوبة :
منها - أن هذا من باب التمثيل . فالتقدير في هذه الآية : ليعاملكم معاملة من يريد أن يعلم المخلصين الثابتين على الإيمان من غيرهم .
ومنها - أن العلم فيها مجاز عن التمييز بطريق إطلاق اسم السبب على المسبب أي ليميز الثابتين على الإيمان من غيرهم .
ومنها - أن العلم على حقيقته . إلا أنه معتبر من حيث تعلقه بالمعلوم من حيث إنه واقع موجود بالفعل ، أي ليعلم الثابت واقعا منهم كما كان يعلم أنه سيقع لأن المجازاة تقع على الواقع دون المعلوم الذي لم يوجد ، وهذا ما اعتمده ابن القيّم كما نقلناه أولا .
ومنها - أن الكلام على حذف مضاف . أي ليعلم أولياء اللّه ، فأضاف إلى نفسه تفخيما - واللّه أعلم .