القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 4 ]
مِنْ قَبْلُ هُدىً لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ ( 4 )
مِنْ قَبْلُ
متعلق ب
أَنْزَلَ
، أي أنزلهما من قبل تنزيل الكتاب . والتصريح به مع ظهور الأمر ، للمبالغة في البيان
هُدىً لِلنَّاسِ
أي لقوم موسى وعيسى . أو ما هو أعم . لأن هذه الأمة متعبدة بما لم ينسخ من الشرائع
وَأَنْزَلَ الْفُرْقانَ
وهو الكتب السماوية التي ذكرها . لأن كلها فرقان يفرق بين الحق والباطل . أو هو القرآن .
وإنما كرر ذكره بما هو نعت له ، ومدح له ، من كونه فارقا بين الحق والباطل ، بعد ما ذكره باسم الجنس ، تعظيما لشأنه ، وإظهارا لفضله ، قال الرازيّ : أو يقال إنه تعالى أعاد ذكره ليبيّن أنه أنزله بعد التوراة والإنجيل ، ليجعله فرقا بين ما اختلف فيه اليهود والنصارى من الحق والباطل . وعلى هذا التقدير فلا تكرار . ثم استظهر حمل الفرقان على المعجزات التي قرنها اللّه تعالى بإنزال هذه الكتب الفارقة بين دعواهم ودعوى الكذابين . قال : فالفرقان هو المعجز القاهر الذي يدل على صحتها ، ويفيد الفرق بينها وبين سائر الكتب المختلفة . انتهى .
ويجوز أن يكون المراد بالفرقان ( الميزان ) المشار إليه في قوله تعالى :
لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ
[ الحديد : 25 ] . والميزان هو العدل في الأمور كلها ؛ واللفظ مما يشمل ذلك كله لتلاقيها في المعنى .
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ
أي جحدوا بها
لَهُمْ
بسبب كفرهم بها
عَذابٌ شَدِيدٌ
وهذا الوعيد . جيء به إثر ما تقدم حملا على الإذعان ، وزجرا عن العصيان
وَاللَّهُ عَزِيزٌ
لا يغالب يفعل ما يشاء
ذُو انْتِقامٍ
أي معاقبة ، يقال : انتقم اللّه منه : عاقبه . والنقمة : المكافأة بالعقوبة .
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة آلعمران ( 3 ) : آية 5 ]
إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ ( 5 )
إِنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّماءِ
أي هو مطلع على كفر من كفر وإيمان من آمن ، وهو مجازيهم عليه .