تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 67

مساهمون:

ص٦٧
أجلها . وهذا الأصل معلوم عند أهل العربية ، فاللفظ إنما هو وسيلة إلى تحصيل المعنى المراد . والمعنى هو المقصود . ولا أيضا كل المعاني . فإن المعنى الإفراديّ قد لا يعبأ به إذا كان المعنى التركيبيّ مفهوما دونه . كما لم يعبأ ذو الرمة ببائس ولا يابس ، اتكالا منه على أن حاصل المعنى مفهوم . وأبين من هذا ما في جامع الإسماعيليّ المخرج على صحيح البخاريّ عن أنس بن مالك ، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ « فاكهة وأبّا » « 1 » قال : ما الأبّ ؟ ثم قال : ما كلفنا هذا . أو قال : ما أمرنا بهذا . وفيه أيضا عن أنس أن رجلا سأل عمر بن الخطاب عن قوله : « فاكهة وأبّا » ما الأبّ ؟ فقال عمر : نهينا عن التعمق والتكلف . ومن المشهور « 2 » تأديبه لضبيع . حين كان يكثر السؤال عن المرسلات والعاصفات ونحوهما . وظاهر من هذا كله أنه إنما نهى عنه لأن المعنى التركيبيّ معلوم على الجملة ، ولا ينبني على فهم هذه الأشياء حكم تكليفيّ ، فرأى أن الاشتغال به عن غيره ، مما هو أهم منه ، تكلف . ولهذا أصل في الشريعة صحيح ، نبّه عليه قوله تعالى :
لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ . .
[ البقرة : 177 ] إلى آخر الآية . فلو كان فهم اللفظ الإفراديّ يتوقف عليه فهم التركيبيّ لم يكن تكلفا ، بل هو مضطر إليه . كما روي عن عمر نفسه في قوله تعالى :
أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلى تَخَوُّفٍ
[ النحل : 47 ] فإنه سأل عنه على المنبر . فقال له رجل من هذيل : التخوف عندنا التنقص . ثم أنشده :
تخوّف الرّحل منها تامكا قردا * كما تخوّف عود النّبعة السّفن
فقال عمر : أيها الناس ! تمسكوا بديوان شعركم في جاهليتكم . فإن فيه تفسير كتابكم .
هامش
( 1 ) أورد ابن كثير في تفسيره ما يأتي : وقال أبو عبيد أيضا : عن حميد عن أنس أن عمر بن الخطاب قرأ على المنبر ( وفاكهة وأبّا ) فقال : هذه الفاكهة قد عرفناها فما الأبّ ؟ ثم رجع إلى نفسه فقال : إن هذا لهو التكلف يا عمر . وقال محمد بن سعد : ثنا سليمان بن حرب ثنا حماد بن زيد عن ثابت عن أنس قال : كنا عند عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه ، وفي ظهر قميصه أربع رقاع . فقرأ ( وفاكهة وأبّا ) فقال : فما الأبّ ؟ ثم قال : هو التكلف ، فما عليك أن لا تدريه ؟ ( 2 ) أخرج الدارميّ في مسنده ، في المقدمة ، باب كراهية الفتيا ، ما يأتي : أخبرنا أبو النعمان ، ثنا حماد بن زيد ، ثنا يزيد بن حازم عن سليمان بن يسار أن رجلا يقال له صبيغ قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن . فأرسل إليه عمر ، وقد أعدّ له عراجين النخل . فقال : من أنت ؟ قال عبد الله صبيغ . فأخذ عمر عرجونا من تلك العراجين فضربه ، وقال : أنا عبد اللّه عمر . فجعل له ضربا حتى دمّى رأسه . فقال : يا أمير المؤمنين ! حسبك . قد ذهب الذي كنت أجد في رأسي .
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 67 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود