تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 66

مساهمون:

ص٦٦
بحيث يتعمقون في كل مهم ، ولا في أعمالهم إلا بمقدار ما لا يخل بمقاصدهم . اللهم إلا أن يقصدوا أمرا خاصّا ، لأناس خاصة . فذاك كالكنايات الغامضة ، والرموز البعيدة التي تخفى عن الجمهور ، ولا تخفى عمن قصد بها . وإلا كان خارجا عن حكم معهودها . فكذلك يلزم أن ينزل فهم الكتاب والسنة بحيث تكون معانيه مشتركة لجميع العرب ، ولذلك أنزل القرآن على سبعة أحرف ، واشتركت فيه اللغات ، حتى كانت قبائل العرب تفهمه . وأيضا فمقتضاه من التكليف لا يخرج عن هذا النمط . لأن الضعيف ليس كالقويّ ، ولا الصغير كالكبير ، ولا الأنثى كالذكر ، بل كل له حد ينتهي إليه في العبارة الجارية . فأخذوا بما يشترك الجمهور في القدرة عليه ، وألزموه ذلك من طريقهم بالحجة القائمة والموعظة الحسنة ، ونحو ذلك ، ولو شاء الله لألزمهم ما لا يطيقون ، ولكلفهم بغير قيام حجة ، ولا إتيان ببرهان ، ولا وعظ ولا تذكير ، ولطوّقهم فهم ما لا يفهم ، وعلم ما لا يعلم ، فلا حجر عليه في ذلك ، فإن حجة الملك قائمة
قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبالِغَةُ
[ الأنعام : 149 ] لكن الله سبحانه خاطبهم من حيث عهدوا ، وكلفهم من حيث لهم القدرة على ما به كلفوا ، وغدوا في أثناء ذلك بما يستقيم به منآدهم ، ويقوى به ضعيفهم ، وتنتهض به عزائمهم ، من الوعد تارة ، والوعيد أخرى ، والموعظة الحسنة أخرى ، وبيان مجاري العادات فيمن سلف من الأمم الماضية ، والقرون الخالية ، إلى غير ذلك مما في معناه . حتى يعلموا أنهم لم ينفردوا بهذا الأمر دون الخلق الماضين ، بل هم مشتركون في مقتضاه ، ولا يكونون مشتركين إلا فيما لهم منّة على تحمله . وزادهم تخفيفا دون الأولين ، وأجرى فوقهم فضلا من الله ونعمة ، والله عليم حكيم . وقد خرّج الترمذيّ ، وصححه عن أبيّ بن كعب ، قال : لقي رسول الله صلى اللّه عليه وسلم جبريل فقال : يا جبريل ! إني بعثت إلى أمة أميين ، منهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لم يقرأ كتابا قط ، قال : يا محمد ! إن القرآن أنزل على سبعة أحرف . فالحاصل أن الواجب في هذا المقام إجراء الفهم في الشريعة على وزان الاشتراك الجمهوريّ الذي يسع الأميين ، كما يسع غيرهم .

ثم قال الشاطبيّ : فصل

ومنها - أن يكون الاعتناء بالمعاني المبثوثة في الخطاب هو المقصود الأعظم ، بناء على أن العرب إنما كانت عنايتها بالمعاني ، وإنما أصلحت الألفاظ من