تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 62

مساهمون:

ص٦٢
وبدلائل الآخرة والنبوة كذلك ، ولما كان الباقي عندهم من شرائع الأنبياء شيء من شريعة إبراهيم عليه السلام ، أبيهم ، خوطبوا من تلك الجهة ودعوا إليها ، وأن ما جاء به محمد صلى اللّه عليه وسلم هي تلك بعينها كقوله تعالى :
مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا
[ الحج : 78 ] وقوله :
ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا . .
[ آل عمران : 67 ] الآية - غير أنهم غيروا جملة منها وزادوا واختلفوا . فجاء تقويمها من جهة محمد صلى اللّه عليه وسلم . وأخبروا بما أنعم الله عليهم مما هو لديهم وبين أيديهم ، وأخبروا عن نعيم الجنة وأصنافه بما هو معهود في تنعماتهم في الدنيا ، لكن مبرأ من الغوائل والآفات التي تلازم التنعيم الدنيويّ . كقوله :
وَأَصْحابُ الْيَمِينِ ما أَصْحابُ الْيَمِينِ * فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ * وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ * وَظِلٍّ مَمْدُودٍ . . . .
[ الواقعة : 27 - 30 ] إلى آخر الآيات - وبيّن من مأكولات الجنة ومشروباتها ما هو معلوم عندهم . كالماء واللبن والخمر والعسل والنخيل والأعناب وسائر ما هو عندهم مألوف ، دون الجوز واللوز والتفاح والكمثرى وغير ذلك من فواكه الأرياف وبلاد العجم . بل أجمل ذلك في لفظ الفاكهة . وقال تعالى :
ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
[ النحل : 125 ] فالقرآن كله حكمة ، وقد كانوا عارفين بالحكمة ، وكان فيهم حكماء ، فأتاهم من الحكمة بما عجزوا عن مثله . وكان فيهم أهل وعظ وتذكير ، كقس بن ساعدة وغيره . ولم يجادلهم إلا على طريقة ما يعرفون من الجدل . ومن تأمل القرآن وتأمل كلام العرب في هذه الأمور الثلاثة وجد الأمر سواء . إلا ما اختص به كلام الله من الخواص المعروفة . وسرّ في جميع ملابسات العرب هذا السير تجد الأمر كما تقرر . وإذا ثبت هذا وضح أن الشريعة أميّة لم تخرج عما ألفته العرب .

ثم قال الشاطبيّ : « المسألة الرابعة »

ما تقرر من أمية الشريعة وأنها جارية على مذاهب أهلها ، وهم العرب ، ينبني عليه قواعد : منها - أن كثيرا من الناس تجاوزوا ، على الدعوى في القرآن ، الحدّ . فأضافوا إليه كل علم يذكر للمتقدمين أو المتأخرين من علوم الطبيعيات والتعاليم والمنطق وعلم الحروف وجميع ما نظر فيه الناظرون من هذه الفنون وأشباهها . وهذا ، إذا عرضناه على ما تقدم ، لم يصح . إلى هذا ، فإن السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن يليهم كانوا أعرف