تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 60

مساهمون:

ص٦٠
ومنها ما كان أكثره باطلا أو جميعه : علم العيافة والزجر والكهانة وخط الرمل والضرب بالحصى والطيرة ، فأبطلت الشريعة من ذلك الباطل ، ونهت عنه . كالكهانة والزجر وخط الرمل . وأقرت الفأل . لا من جهة تطلب الغيب . فإن الكهانة والزجر كذلك . وأكثر هذه الأمور تخرّص على علم الغيب من غير دليل . فجاء النبي صلى اللّه عليه وسلم بجهة من تعرف علم الغيب مما هو حق محض وهو الوحي والإلهام . وأبقى للناس من ذلك ، بعد موته عليه السلام ، جزءا من النبوءة وهو الرؤيا الصالحة ، وأنموذج من غيره لبعض الخاصة وهو الإلهام والفراسة . ومنها علم الطب : فقد كان في العرب منه شيء ، لا على ما عند الأوائل ، بل مأخوذ من تجاريب الأميين ، غير مبنيّ على علوم الطبيعة التي يقررها الأقدمون . وعلى ذلك المساق جاء في الشريعة ، ولكن على وجه جامع شاف قليل ، يطلع منه على كثير . فقال تعالى :
كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا . . .
[ الأعراف : 31 ] . وجاء في الحديث التعريف ببعض الأدوية لبعض الأدواء ، وأبطل من ذلك ما هو باطل : كالتداوي بالخمر والرقي التي اشتملت على ما لا يجوز شرعا . ومنها التفنن في علم فنون البلاغة ، والخوض في وجوه الفصاحة ، والتصرف في أساليب الكلام ، وهو أعظم منتحلاتهم ، فجاءهم بما أعجزهم من القرآن الكريم . قال تعالى :
قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً
[ الإسراء : 88 ] . ومنها ضرب الأمثال :
وَلَقَدْ ضَرَبْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ *
[ الروم : 58 ] إلا ضربا واحدا ، وهو الشعر ، فإن الله نفاه وبرّأ الشريعة منه . قال تعالى في حكايته عن الكفار : وقالوا
أَ إِنَّا لَتارِكُوا آلِهَتِنا لِشاعِرٍ مَجْنُونٍ بَلْ جاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ
[ الصافات : 36 - 37 ] ، أي لم يأت بشعر ، فإنه ليس بحق ، ولذلك قال :
وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ . . .
[ يس : 69 ] الآية . وبيّن معنى ذلك في قوله تعالى :
وَالشُّعَراءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغاوُونَ أَ لَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ
[ الشعراء : 224 - 226 ] فظهر أن الشعر ليس مبنيّا على أصل ، ولكنه هيمان على غير تحصيل ، وقول لا يصدقه فعل ، وهذا مضاد لما جاءت به الشريعة إلا ما استثنى الله تعالى . فهذا أنموذج ينبهك على ما نحن بسبيله بالنسبة إلى علوم العرب الأمية . وأما ما يرجع إلى الاتصاف بمكارم الأخلاق ، وما ينضاف إليها ، فهو أول ما خوطبوا به ، وأكثر ما تجد ذلك في السور المكية من حيث كان آنس لهم ، وأجرى على ما يتمدح به عندهم ، كقوله تعالى :
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 60 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود