تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 15

مساهمون:

ص١٥
وقال أنس : كان الرجل إذا قرأ البقرة وآل عمران جدّ في أعيننا ، رواه أحمد في مسنده . وأقام ابن عمر على حفظ البقرة ثمان سنين ، أخرجه في الموطأ « 1 » . وذلك أن اللّه قال :
كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ
[ ص : 29 ] . وقال :
أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ
[ النساء : 82 ] وتدبر الكلام بدون فهم معانيه لا يمكن . وأيضا فالعادة تمنع أن يقرأ قوم كتابا في فن من العلم ، كالطب والحساب ولا يستشرحونه ، فكيف بكلام اللّه الذي هو عصمتهم ، وبه نجاتهم وسعادتهم وقيام دينهم ودنياهم ؟ ولهذا كان النزاع بين الصحابة في تفسير القرآن قليلا جدا . وهو ، وإن كان بين التابعين أكثر منه بين الصحابة ، فهو قليل بالنسبة إلى ما بعدهم . ومن التابعين من تلقى جميع التفسير عن الصحابة . وربما تكلموا في بعض ذلك بالاستنباط والاستدلال . والخلاف بين السلف في التفسير قليل . وغالب ما يصح عنهم من الخلاف يرجع إلى اختلاف تنوّع لا اختلاف تضادّ ، وذلك صنفان : أحدهما : أن يعبر واحد منهم عن المراد بعبارة غير عبارة صاحبه ، تدل على معنى في المسمى غير المعنى الآخر ، مع اتحاد المسمى ، كتفسيرهم
الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ
: بعض بالقرآن ، أي اتباعه . وبعض بالإسلام . فالقولان متفقان . لأن دين الإسلام هو اتباع القرآن ، ولكن كل منهما نبه على وصف غير الوصف الآخر ، كما أن لفظ صراط يشعر بوصف ثالث . وكذلك قول من قال : « هو السنة والجماعة » ، وقول من قال : « هو طريق العبودية » ، وقول من قال : « هو طاعة اللّه ورسوله » وأمثال ذلك . فهؤلاء كلهم أشاروا إلى ذات واحدة ، لكن وصفها كل منهم بصفة من صفاتها . الثاني : أن يذكر كل منهم من الاسم العام بعض أنواعه على سبيل التمثيل . وتنبيه المستمع على النوع ، لا على سبيل الحد المطابق للمحدود في عمومه وخصوصه . مثاله : ما نقل في قوله تعالى :
ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنا
[ فاطر : 32 ] الآية . فمعلوم أن الظالم لنفسه يتناول المضيع للواجبات ، والمنتهك للحرمات ؛ والمقتصد يتناول فاعل الواجبات وتارك المحرمات ، والسابق يدخل فيه من سبق ، فتقرّب بالحسنات مع الواجبات . فالمقتصدون أصحاب اليمين ، والسابقون
هامش
( 1 ) أخرجه الإمام مالك في الموطأ في القرآن ، وحدثني عن مالك أنه بلغه أن عبد الله بن عمر مكث على سورة البقرة ثماني سنين يتعلمها .