تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 170

مساهمون:

ص١٧٠
أيضا تصرف . واستنسخ عثمان رضي الله عنه ، من ذلك المصحف ، مصاحف أرسل بها إلى الآفاق ليستفيدوا منها ، ولا يميلوا إلى ترتيب آخر . ولما كان بين أسلوب السور ، وأسلوب أمثلة الملوك مناسبة تامة ، روعي في الابتداء والانتهاء طريق المكاتيب ، كما يبتدئون في بعض المكاتيب بحمد الله عز وجل ، والبعض الآخر ببيان غرض الإملاء ، والبعض الآخر باسم المرسل والمرسل إليه . ومنها ما يكون رقعة وشقة بغير عنوان ، وبعضها يكون مطولا وبعضها يكون مختصرا كذلك سبحانه وتعالى صدّر بعض السور بالحمد والتسبيح ، وبعضها ببيان غرض الإملاء ، كما قال عز وجل :
ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ
[ البقرة : 2 ] ،
سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها
[ النور : 1 ] ، وهذا القسم يشبه ما يكتب « هذا ما صالح فلان وفلان » و « هذا ما أوصى به فلان » . وكان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كتب في واقعة الحديبية : « هذا ما قاضى عليه محمد صلّى اللّه عليه وسلّم » « 1 » . وبعضها يذكر المرسل والمرسل إليه كما قال :
تَنْزِيلُ الْكِتابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ *
[ الزمر : 1 ] ،
كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ
[ هود : 1 ] ، وهذا القسم يشبه ما يكتبون : « صدر الحكم من حضرة الخلافة » ، أو يكتبون : « هذا إعلام لسكنة البلدة الفلانية من حضرة الخلافة » . و قد كان كتب صلّى اللّه عليه وسلّم : « من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم » . وبعضها على أسلوب الرقاع والشقق بغير عنوان ، كما قال عز وجل :
إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ
[ المنافقون : 1 ] ،
قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها
[ المجادلة : 1 ] ،
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ
[ التحريم : 1 ] . ولما كانت للقصائد في فصاحة الكلام شهرة عند العرب ، وكان من عاداتهم في مبدأ القصائد التشبيب بذكر مواضع عجيبة ، ووقائع هائلة - اختار الله عز وجل هذا الأسلوب في بعض السور ، كما قال :
وَالصَّافَّاتِ صَفًّا فَالزَّاجِراتِ زَجْراً
[ الصافات : 1 - 2 ] ،
وَالذَّارِياتِ ذَرْواً فَالْحامِلاتِ وِقْراً
[ الذاريات : 1 - 2 ] ،
إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ
[ التكوير : 1 - 2 ] . وكما كانوا يختمون المكاتيب بجوامع الكلم ، ونوادر الوصايا ، وتأكيد
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري في الشروط ، باب الشروط في الجهاد والمصالحة مع أهل الحرب وكتابة الشروط ، الذي رواه المسور بن مخرمة ومروان عن غزوة الحديبية .
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل ) — صفحة 170 | محمد جمال الدين القاسمي / محمد باسل عيون السود